محمد بن جرير الطبري

431

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) [ سورة فصلت : 11 ] . والاستواء كان بعد أن خلقها دُخانًا ، وقبل أن يسوِّيَها سبعَ سماوات . وقال بعضهم : إنما قال : " استوى إلى السّماء " ، ولا سماء ، كقول الرجل لآخر : " اعمل هذا الثوب " ، وإنما معه غزلٌ . وأما قوله " فسواهن " فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبَّرهن وقوَّمهن . والتسوية في كلام العرب ، التقويم والإصلاح والتوطئة ، كما يقال : سوَّى فلان لفلان هذا الأمر . إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّأه له . فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سماواته : تقويمه إياهن على مشيئته ، وتدبيره لهنّ على إرادته ، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ ( 1 ) . 589 - كما : حُدِّثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " فسوَّاهن سبع سماوات " يقول : سوّى خلقهن ، " وهو بكل شيء عليم ( 2 ) . وقال جل ذكره : " فسواهن " ، فأخرج مكنِيَّهن مخرج مكنيِّ الجميع ( 3 ) ، وقد قال قبلُ : " ثم استوى إلى السماء " فأخرجها على تقدير الواحد . وإنما أخرج مكنيَّهن مخرج مكنيِّ الجمع ، لأن السماء جمع واحدها سماوة ، فتقدير واحدتها وجميعها إذا تقدير بقرة وبقر ونخلة ونخل ، وما أشبه ذلك . ولذلك أنِّثت مرة فقيل : هذه سماءٌ ، وذُكِّرت أخرى ( 4 ) فقيل : ( السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ) [ سورة المزمل : 18 ] ،

--> ( 1 ) في المطبوعة : " بعد إرتاقهن " وليست بشيء ، وفي المخطوطة : " بعد أن تتاقهن " ، وظاهر أنها تحريف لما أثبتناه . وارتتق الشيء : التأم والتحم حتى ليس به صدع . وهذا من تأويل ما في سورة الأنبياء : 30 من قول الله سبحانه : { أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } والفتق : الشق . ( 2 ) الأثر : 589 - في الدر المنثور 1 : 43 ، وهو من تمام الأثر السالف : 588 . ( 3 ) المكني : هو الضمير ، فيما اصطلح عليه النحويون ، لأنه كناية عن الذي أخفيت ذكره . وفي المطبوعة : " الجمع " مكان " الجميع " حيث ذكرت في المواضع الآتية في هذه العبارة . ( 4 ) في المطبوعة : " أنث السماء . . . وذكر " بطرح التاء .