محمد بن جرير الطبري
423
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
البعث ، وأن الإحياء الثالثَ هو نفخُ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة . وهذا تأويل إذا تدبره المتدبر وجده خلافًا لظاهر قول الله الذي زعم مفسِّره أن الذي وصفنا من قوله تفسيره . وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه - عن الذين أخبر عنهم من خلقه - أنهم قالوا : " ربنا أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " ، وزعم ابن زيد في تفسيره أنّ الله أحياهم ثلاث إحياءات ، وأماتهم ثلاث إماتات . والأمر عندنا - وإن كان فيما وَصَف من استخراج الله جل ذكره من صُلب آدم ذرّيته ، وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف - فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين - أعني قوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا " الآية ، وقوله : " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " - في شيء . لأن أحدًا لم يدع أن الله أمات من ذَرَأ يومئذ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث ، فيكون جائزًا أن يوجّه تأويل الآية إلى ما وجهه إليه ابن زيد . * * * وقال بعضُهم : الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة ، فهي ميّتة من لَدُنْ فراقها جسدَه إلى نفخ الروح فيها . ثم يحييها الله بنفخ الروح فيها فيجعلها بشرًا سويًّا بعد تاراتٍ تأتي عليها . ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه ، فهو في البرزخ ميت إلى يوم ينفخ في الصُّور ، فيردّ في جسده روحه ( 1 ) ، فيعود حيًّا سويًّا لبعث القيامة . فذلك موتتان وحياتان . وإنما دعا هؤلاء إلى هذا القول ، لأنهم قالوا : موتُ ذي الرّوح مفارقة الرّوح إياه . فزعموا أن كل شيء من ابن آدم حيّ
--> ( 1 ) في المخطوطة : " فيرد في جسمه " ، وهي قريب .