محمد بن جرير الطبري

421

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقرأ قول الله : ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) [ سورة الأحزاب : 7 ] . قال : يومئذ . قال : وقرأ قول الله : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) ( 1 ) [ سورة المائدة : 7 ] . قال أبو جعفر : ولكل قول من هذه الأقوال التي حكيناها عمن روَيناها عنه ، وجه ومذهبٌ من التأويل . * * * فأما وجه تأويل من تأول قوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم " ، أي لم تكونوا شيئًا ، فإنه ذهب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر : هذا شيء ميِّتٌ ، وهذا أمر ميِّت - يراد بوصفه بالموت : خُمول ذكره ، ودُرُوس أثره من الناس . وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه : هذا أمر حيّ ، وذكر حيٌّ - يراد بوصفه بذلك أنه نابه مُتعالم في الناس ، كما قال أبو نُخَيْلة السعديّ : فَأَحْيَيْتَ لِي ذكْري ، وَمَا كُنْتُ خَامِلا . . . وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ ( 2 ) يريد بقوله : " فأحييتَ لي ذكري " ، أي : رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا ، بعد أن كان خاملا ميتًا . فكذلك تأويل قول من قال في قوله : " وكنتم أمواتًا " لم تكونوا شيئًا ، أي كنتم خُمولا لا ذكر لكم ، وذلك كان موتكم فأحياكم ، فجعلكم بَشرًا أحياء تُذكرون وتُعرفون ، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم ، كالذي كنتم قبل أن يحييكم ، من دروس ذكركم ، وتعفِّي آثاركم ، وخمول أموركم ، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها ، ونفخ الروح فيها ،

--> ( 1 ) الأثر : 586 - في ابن كثير 1 : 122 ، والشوكاني 1 : 47 ، مختصرًا جدًا . ( 2 ) الأغاني 18 : 140 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 193 ، وأبو نخيلة اسمه لا كنيته ، كما قال أبو الفرج ، ويقال اسمه : يعمر بن حزن بن زائدة ، من بني سعد بن زيد مناة ، وكان الأغلب عليه الرجز ، وله قصيد قليل ، وكان عاقًّا بأبيه ، فنفاه أبوه عن نفسه . والبيت من أبيات ، يمدح بها مسلمة بن عبد الملك .