محمد بن جرير الطبري
399
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها . فقال بعضهم بما : 554 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدّي ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله : " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا " وقوله : " أو كصيِّب من السماء " ، الآيات الثلاث - قال المنافقون : الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال ، فأنزل الله : " إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً " إلى قوله : " أولئك همُ الخاسرُون " . وقال آخرون بما : 555 - حدثني به أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا قُرَاد ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الرّبيع بن أنس ، في قوله تعالى : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها " . قال : هذا مثل ضربه الله للدنيا ، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ ، فإذا سمنت ماتتْ . وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن : إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك . قال : ثم تلا ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) [ سورة الأنعام : 44 ] ( 1 ) . 556 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس بنحوه - إلا أنه قال : فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم ( 2 ) ، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت ، وتموت إذا رَويت ، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل ، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله فأهلكهم . فذلك قوله : ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) [ سورة الأنعام : 44 ] . وقال آخرون بما : 557 - حدثنا به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " ، أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرَ منه شيئًا ما قل منه أو كثر ( 3 ) . إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة : ما أراد الله من ذكر هذا ؟ فأنزل الله :
--> ( 1 ) الأثر 555 - " قراد " بضم القاف وفتح الراء مخففة : لقب له ، واسمه " عبد الرحمن بن غزوان بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي ، الخزاعي " ، وهو ثقة ، وقال أحمد : " كان عاقلا من الرجال " . وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2 / 2 / 274 . ( 2 ) في المطبوعة : " خلى آجالهم " ، وفي المخطوطة " خلا " ، والصواب ما أثبته . وخلا العمر يخلو خلوا : مضى وانقضى . ( 3 ) في المخطوطة : " شيئًا قل منه أو كثر " بحذف " ما " ، وفي ابن كثير " مما قل أو كثر " وكلها متقاربة .