محمد بن جرير الطبري

393

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

على فساد قول من زعم أنّ معنى قوله : " قالوا هذا الذي رزقنا من قبل " ، إنما هو قول من أهل الجنة في تشبيههم بعض ثَمر الجنة ببعض ( 1 ) . وتلك الدلالة على فساد ذلك القول ، هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله : " وأتوا به متشابهًا " ، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم : " هذا الذي رُزقنا من قبل " بقوله : " وأتوا به متشابهًا " . ويُسأل من أنكر ذلك ( 2 ) ، فزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مما في الجنة نظيرًا لشيء مما في الدنيا بوجه من الوجوه ، فيقال له : أيجوز أن يكون أسماءُ ما في الجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائرَ أسماء ما في الدنيا منها ؟ فإن أنكر ذلك خالف نصّ كتاب الله ، لأن الله جل ثناؤه إنما عرّف عبادَه في الدنيا ما هو عنده في الجنة بالأسماء التي يسمى بها ما في الدنيا من ذلك . وإن قال : ذلك جائز ، بل هو كذلك . قيل : فما أنكرتَ أن يكون ألوانُ ما فيها من ذلك ، نظيرَ ألوان ما في الدنيا منه ( 3 ) ، بمعنى البياض والحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان ، وإن تباينت فتفاضلت بفضل حسن المَرآة والمنظر ، فكان لما في الجنة من ذلك من البهاء والجمال وحسن المَرآة والمنظر ، خلافُ الذي لما في الدنيا منه ، كما كان جائزًا ذلك في الأسماء مع اختلاف المسميات بالفضْل في أجسامها ؟ ثم يُعكس عليه القول في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله . وكان أبو موسى الأشعري يقول في ذلك بما : 537 - حدثني به ابن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عديّ ، وعبد الوهاب ، ومحمد بن جعفر ، عن عوف ، عن قَسَامةَ ، عن الأشعري ، قال : إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة ، وعلّمه صَنعةَ كل شيء ، فثمارُكم هذه من ثمار الجنة ، غيرَ أن هذه تغيَّرُ وتلك لا تغيَّرُ ( 4 ) .

--> ( 1 ) انظر ما مضى ص 387 وما بعدها . ( 2 ) في المطبوعة : " وسأل من أنكر . . " ، وهو خطأ بين . ( 3 ) في المطبوعة : " نظائر ألوان " . ( 4 ) الحديث 537 - هذا إسناد صحيح . وهو وإن كان موقوفًا لفظًا فإنه مرفوع حكمًا ، لأنه إخبار عن غيب لا يعلم بالرأي ولا القياس . والأشعري : هو أبو موسى ، ولم يكن ممن يحكى عن الكتب القديمة . عوف : هو ابن أبي جميلة الأعرابي ، وهو ثقة ثبت ، أخرج له أصحاب الكتب الستة . قسامة - بفتح القاف وتخفيف السين المهملة : هو ابن زهير المازني التميمي البصري ، وهو ثقة تابعي قديم ، بل ذكره بعضهم في الصحابة فأخطأ . وله ترجمة في الإصابة 5 : 276 وابن سعد 7 / 1 / 110 ، وقال : " كان ثقة إن شاء الله ، وتوفي في ولاية الحجاج على العراق " ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 147 ، وروى توثيقه عن ابن معين . والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ 1 : 80 ، من رواية عبد الرزاق عن معمر عن عوف ، بهذا الإسناد . وذكره ابن القيم في حادي الأرواح 1 : 273 ( ص 125 من الطبعة الثانية ، طبعة محمود ربيع سنة 1357 ) من رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن عقبة بن مكرم العمى الحافظ ، عن ربعي بن إبراهيم بن علية عن عوف ، بهذا الإسناد ، مرفوعًا صراحة : " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " . وكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 197 - 198 " عن أبي موسى رفعه " ، وقال : " رواه البزار ، والطبراني ، ورجاله ثقات " . وذكره ابن القيم في حادي الأرواح قبل ذلك ( ص 30 - 31 ) ، من رواية " هوذة بن خليفة عن عوف " بهذا الإسناد ، موقوفًا لفظًا . ورواية هوذة بن خليفة : رواها الحاكم في المستدرك 2 : 543 ، ولكن إسنادها عندي أنه مغلوط ، والظاهر أنه غلط من الناسخين . لأن الذي فيه : " هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري ، قال : إن الله لما أخرج آدم " إلخ . ثم قال الحاكم : " صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي ! ولا يمكن - فيما أعرف وأعتقد - أن يصحح الحاكم هذا الإسناد ، ثم يوافقه الذهبي ، إن كان على هذا الوجه ، لأن أبا بكر بن أبي موسى الأشعري تابعي ثقة ، فلو كان الإسناد هكذا كان الحديث مرسلا لا حجة فيه ، سواء أرفعه أم قاله من قبل نفسه ، فالظاهر أن الناسخين القدماء للمستدرك أخطئوا في زيادة " أبي بكر بن " ، وأن صوابه : " عن أبي موسى الأشعري " ، كما تبين من نقل ابن القيم رواية هوذة ، وكما تبين من الروايات الأخر التي سقناها . والحمد لله على التوفيق .