محمد بن جرير الطبري

379

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

من مثله ، وليستنصر بعضُكم بعضًا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم ، حتى تعلموا أنكم إذْ عَجزتم عن ذلك - أنّه لا يقدر على أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا من البشر أحدٌ ، ويَصحَّ عندكم أنه تنزيلي وَوحيي إلى عبدي . * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فإن لم تفعلوا " ، إن لم تأتوا بسورة من مثله ، فقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه وأعوانكم ( 1 ) ، فتبين لكم بامتحانكم واختباركم عجزكم وعَجزُ جميع خلقي عنه ، وعلمتم أنه من عندي ، ثم أقمتم على التكذيب به . وقوله : " ولن تفعلوا " ، أي لن تأتوا بسورة من مثله أبدًا . 501 - كما حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " فإن لم تفعلوا ولنْ تفعلوا " ، أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه ( 2 ) . 502 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " ، فقد بَين لكم الحق ( 3 ) . * * *

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وقد تظاهرتم " ، وما في المخطوطة أجود ، وسيأتي بعد قليل بيان ذلك . ( 2 ) الأثر 501 - ذكره السيوطي 1 : 35 بنحوه ، ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير . وكتب فيه خطأ مطبعيًّا " ابن جريج " . ( 3 ) الأثران 501 ، 502 - في الدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 . ولفظ الطبري في تفسير هذه الآية وفي التي تليها ، وما استدل به من الأثر الأخير ، يدل على أنه يرى أن جواب الشرط محذوف ، لأنه معلوم قد دل عليه السياق ؛ وجواب الشرط " فقد بين لكم الحق ، وأقمتم على التكذيب به وبرسولي " ، ثم قال مستأنفًا : " فاتقوا أن تصلوا النار بتكذيبكم رسولي ، أنه جاءكم بوحيي وتنزيلي ، بعد أن تبين لكم أنه كتابي ومن عندي " . ولم أجد من تنبه لهذا غير الزمخشري ، فإنه قال في تفسير الآية من كتابه " الكشاف " ما نصه : " فإن قلت : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار ، انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟ قلت : إنهم إذا لم يأتوا بها ، وتبين عجزهم عن المعارضة ، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإذا صح عندهم صدقه ، ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا ، استوجبوا العقاب بالنار . فقيل لهم : إن استبنتم العجز فاتركوا العناد . فوضع " فاتقوا النار " موضعه ، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد ، من حيث إنه من نتائجه . لأن من اتقى النار ترك المعاندة . ونظيره أن يقول الملك لحشمه : " إن أردتم الكرامة عندي ، فاحذروا سخطي " . يريد : فأطيعوني واتبعوا أمري ، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط . وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة . وفائدته : الإيجاز ، الذي هو حلية القرآن ، وتهويل شأن العناد ، بإنابة اتقاء النار منابه ، وإبرازه في صورته ، مشيعًا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها " . فقد تبين بهذا مراد الطبري ، وأنه أراد أن يبين أن اتقاء النار غير داخل في الشرط ، ولا هو من جوابه ، ليخرج بذلك من أن يكون معنى الكلام : قصر اتقائهم النار ، على عجزهم عن الإتيان بمثله . وتفسير الآتي دال على هذا المعنى تمام الدلالة . وهو من دقيق نظر الطبري رحمه الله وغفر للزمخشري .