محمد بن جرير الطبري
346
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
إِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ . . . وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ ( 1 ) يقال منه : ماصَعه مصاعًا . وكأن مجاهدًا إنما قال : " مَصْعُ ملك " ، إذْ كان السحاب لا يماصع الملك ، وإنما الرعد هو المماصع له ، فجعله مصدرًا من مَصَعه يَمْصَعه مَصِْعًا . وقد ذكرنا ما في معنى " الصاعقة " - ما قال شَهر بن حَوشب فيما مضى . وأما تأويل الآية ، فإن أهل التأويل مُختلفون فيه : فرُوي عن ابن عباس في ذلك أقوال : أحدها : ما - 451 - حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات ورَعدٌ وبرقٌ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت " : أي هم من ظُلمات ما هم فيه من الكفر والحذَر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم - على مثل ما وصف ، من الذي هو في ظلمة الصيب ، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حَذَرَ الموت ، يكاد البرق يخطفُ أبصارهم - أي لشدة ضوء الحق - كلما أضاءَ لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ، أي يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة ، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين ( 2 ) . والآخر : ما -
--> ( 1 ) ديوانه : 15 ، وزعم الطبري كما ترى أنه أراد جواري يلعبن بحليهن ويجالدن بها . وقد أخطأ المعنى . وإنما أراد الأعشى ما هو أبلغ . وذلك أن الأقران جمع قرن : وهو الذي يقارنك في القوة والشجاعة ، وأراد به الرجال ، وينازلن : أراد ما يكون منهن من المداعبة والممارسة إرادة الغلبة على عقول الرجال وعزائمهم . والجون ، جمع جونة : وهي سلة صغيرة مستديرة مغشاة بالأدم يكون فيها الطيب . ويقال أيضًا : " جؤنة وجؤن " بالهمز . وذكر الأعشى المعركة القديمة الدائرة بين الرجال والنساء ، يتخذن الزينة والطيب سلاحًا ، فيتصدين للرجال ابتغاء الظفر والغلبة ، والفتنة التي تصرع الألباب والعزائم ، فيقع الرجال أسرى في أيديهن . ( 2 ) الخبر 451 - ذكره السيوطي في الدر المنثور بتمامه 1 : 32 - 33 ، ونسبه أيضًا لابن إسحاق ، وابن أبي حاتم . وفيه وفي المخطوطة " من الخلاف والتخويف منكم " ونقل ابن كثير بعضه 1 : 100 .