محمد بن جرير الطبري

337

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ومعلوم أنّ ذلك من توبة على غير وجه الشكّ فيما قال ، ولكن لمّا كانت " أو " في هذا الموضع دالةً على مثل الذي كانت تدل عليه " الواو " لو كانت مكانها ، وضَعها موضعَها ، وكذلك قولُ جرير : نَالَ الْخِلافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ، . . . كَمَا أَتَى رَبَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ ( 1 ) وكما قال الآخر : فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ شَيْئًا . . . بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ أَوْ عِفَاقِ ( 2 ) عَلَى الْمَرْأَيْنِ إِذْ مَضَيا جَمِيعًا . . . لِشَأْنِهما ، بِحُزْنٍ وَاشْتِيَاقِ ( 3 ) فقد دلّ بقوله " على المرأين إذْ مَضَيا جميعًا " أنّ بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يُرد أن يقصدَ به أحدَهما دونَ الآخر ، بل أراد أن يبكيهما جميعًا . فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه " أو كصيِّب من السماء " . لمّا كان معلومًا أن " أو " دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه " الواو " لو كانت مكانها - كان سواء نطق فيه ب " أو " أو ب " الواو " . وكذلك وجه حذف " المثل " من قوله " أو كصيب " . لما كان قوله :

--> ( 1 ) ديوانه : 275 ، وسيأتي في تفسيره آية البقرة : 74 ( 1 : 287 بولاق ) ، وآية طه : 40 ( 16 : 128 بولاق ) ، وأمالي الشجري 1 : 317 ، يقولها في أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز . وروايته " إذ كانت " ، وفي المطبوعة : " جاء الخلافة " ، وهي رواية سقيمة . ( 2 ) البيتان لمتمم بن نويرة اليربوعي . اللسان ( عفق ) ، أمالي الشجري ، 2 : 318 ، أمالي المرتضى 3 : 147 ، الأضداد لابن الأنباري : 243 . وفي المطبوعة والمخطوطة " على جبير " ، وهو خطأ محض ، وفي المطبوعة : " عناق " ، وهو خطأ أيضًا . وهذا الشعر يقوله متمم بن نويرة في رثاء بجير بن عبد الله بن الحارث اليربوعي ، وهو بجير بن أبي مليل ، وأخوه عفاق بن أبي مليل . قتل أولهما يوم قشاوة ، قتله لقيم بن أوس ( النقائض : 20 ) ، وقتل عفاق يوم العظالى ، قتله الدعاء ، وقيل قتله الفريس بن مسلمة ( النقائض : 583 ) . ( 3 ) يروى " بحزن واحتراق " و " بشجو واشتياق " . وقوله : " مضيا لشأنهما " أي ، هلكا ولقيا ما يلقى كل حي .