محمد بن جرير الطبري

329

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وتركهم في ظلمات لا يبصرون " دلالةٌ على المتروك كافيةٌ من ذكره - اختصرَ الكلامَ طلبَ الإيجاز . وكذلك حذفُ ما حذفَ واختصارُ ما اختصرَ من الخبر عن مَثل المنافقين بَعدَه ، نظير ما اختصرَ من الخبر عن مَثَل المستوقد النارَ . لأن معنى الكلام : فكذلك المنافقون ذَهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون - بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون - كما ذهب ضَوء نار هذا المستوقد ، بانطفاء ناره وخمودها ، فبقي في ظلمة لا يُبصر . و " الهاء والميم " في قوله " ذهب الله بنورهم " ، عائدة على " الهاء والميم " في قوله " مَثَلهم " . * * * القول في تأويل قول الله : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) } قال أبو جعفر : وإذْ كانَ تأويل قول الله جلّ ثناؤه : " ذهبَ الله بنورهم وتَركهم في ظلمات لا يبصرون " ، هو ما وصفنا - من أنّ ذلك خبر من الله جل ثناؤه عما هو فاعل بالمنافقين في الآخرة ، عند هتك أستارهم ، وإظهاره فضائح أسرارهم ، وسَلبه ضياءَ أنوارهم ، من تركهم في ظُلَم أهوال يوم القيامة يترددون ، وفي حَنادسها لا يُبصرون - فبيّنٌ أنّ قوله جل ثناؤه : " صمٌّ بكم عميٌ فَهم لا يرجعون " من المؤخّر الذي معناه التقديم ، وأنّ معنى الكلام : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ، صُمٌّ بكم عميٌ فهم لا يرجعون ، مَثلهم كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءتْ ما حوْله ذهبَ الله بنورهم وترَكهم في ظُلمات لا يبصرون ، أو كمثل صَيِّب من السماء . وإذْ كان ذلك معنى الكلام : فمعلومٌ أن قوله : " صُمٌّ بكمٌ عُميٌ " ، يأتيه الرفع من وجهين ، والنصب من وجهين : فأما أحدُ وجهي الرفع : فعلى الاستئناف ، لما فيه من الذم . وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم ، فتنصِب وتَرفع ، وإن كان خبرًا عن معرفة ، كما قال الشاعر : لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ . . . سَمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ ( 1 ) النَّازِلِينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ . . . وَالطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ ( 2 ) فيروي : " النازلون " و " النازلين " ، وكذلك " الطيِّبون " و " الطيِّبين " ، على ما وصفتُ من المدح .

--> ( 1 ) الشعر للخرنق بنت بدر بن هفان ، أخت طرفة لأمه ، أمهما وردة ، ديوانها : 10 ، ترثى زوجها بشر بن عمرو بن مرثد . وسيأتي في تفسير آية سورة غافر : 3 ( 24 : 27 بولاق ) ، وفي سيبويه 1 : 104 ، 246 ، 249 ، وخزانة الأدب 2 : 301 . وقولها " لا يبعدن قومي " : أي لا يهلكن قومي ، تدعو لهم . وفعله : بعد يبعد بعدًا ( من باب فرح ) : هلك . والعداة جمع عاد ، وهو العدو . والجزر جمع جزور : وهي الناقة التي تنحر . وآفة الجزر : علة هلاكها ، لا يبقون على أموالهم من الكرم . ( 2 ) المعترك : موضع القتال حيث يعتركون ، يطحن بعضهم بعضًا . وإذا ضاق المعترك نزل الفرسان ، وتطاعنوا واقتربوا حتى يعتنق بعضهم بعضًا إذا حمس القتال . والأزر جمع إزار : وهو ما ستر النصف الأسفل ، والرداء : ما ستر الأعلى . ومعاقد الأزر : حيث يعقد لئلا تسقط . وكنت بذلك عن عفتهم وطهارتهم ، لا يقربون فاحشة فيحلون معاقد الأزر .