محمد بن جرير الطبري
325
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بالشرْك ( 1 ) . ولو كان المثل لمن آمنَ إيمانًا صحيحًا ثم أعلن بالكفر إعلانا صحيحًا - على ما ظنّ المتأول قولَ الله جل ثناؤه : ( كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءَتْ ما حولَه ذهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) : أن ضوءَ النار مثلٌ لإيمانهم الذي كان منهم عندَهُ على صحةٍ ، وأن ذهاب نورهم مثلٌ لارتدادهم وإعلانهم الكفر على صحة - لم يكن ( 2 ) . هناك من القوم خداعٌ ولا استهزاءٌ عند أنفسهم ولا نفاقٌ . وأنَّى يكون خداعٌ ونفاقٌ ممن لم يُبد لك قولا ولا فعلا إلا ما أوجبَ لك العلم بحاله التي هو لك عليها ، وبعزيمة نفسه التي هو مقيم عليها ؟ إنّ هذا بغير شَكّ من النفاق بَعيدٌ ، ومن الخداع بريءٌ . وإذْ كان القومُ لم تكن لهم إلا حالتان ( 3 ) : حالُ إيمان ظاهر ، وحال كفر طاهر ، فقد سقط عن القوم اسمُ النفاق . لأنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين ، وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين . ولا حالةَ هناك ثالثةً كانوا بها منافقين . وفي وَصْف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق ، ما ينبئ عن أن القول غيرُ القول الذي زعمه من زَعم : أن القوم كانوا مؤمنين ، ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه ، إلا أنْ يكون قائلُ ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه ، إلى الكفر الذي هو نفاق . وذلك قولٌ إن قاله ، لم تُدرَك صحته إلا بخبر مستفيض ، أو ببعض المعاني الموجبة صحتَه . فأما في ظاهر الكتاب فلا دلالة على صحته ، لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه . فإذْ كان الأمر على ما وصفنا في ذلك ، فأولى تأويلات الآية بالآية : مثل استضاءَة المنافقين - بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقرار به ، وقولهم له وللمؤمنين : آمنَّا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر ، حتى حُكم لهم بذلك
--> ( 1 ) في المطبوعة : " أي ، لا المعلنين " ، وفي المخطوطة : " المعالنين بالكفر " ، وسياق عبارته " إنما ضرب الله هذا المثل للمنافقين . . لا المعلنين بالكفر " . ( 2 ) السياق : " ولو كان المثل لمن آمن إيمانًا صحيحًا . . لم يكن هنالك من القوم . . " ( 3 ) في المطبوعة : " فإن كان القوم . . . " ، وهو خطأ .