محمد بن جرير الطبري

318

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) } قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، وقد علمتَ أن " الهاء والميم " من قوله " مثلهم " كناية جِمَاعٍ - من الرجال أو الرجال والنساء - و " الذي " دلالة على واحد من الذكور ؟ فكيف جعَل الخبر عن واحد مَثلا لجماعة ؟ وهلا قيل : مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا ؟ وإن جاز عندك أن تمثلَ الجماعةَ بالواحد ، فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبتْه صُوَرهم وتمامُ خلقهم وأجسامهم ، أن يقول : كأنّ هؤلاء ، أو كأنّ أجسامَ هؤلاء ، نخلةٌ ؟ قيل : أما في الموضع الذي مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين ، بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسنٌ ، وفي نظائره ( 1 ) كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك : ( تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) [ سورة الأحزاب : 19 ] ، يعني كَدَوَرَان عيْنِ الذي يُغشى عليه من الموت - وكقوله : ( مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) [ سورة لقمان : 28 ] بمعنى : إلا كبَعْث نفسٍ واحدة . وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال ، في الطول وتمام الخلق ، بالواحدة من النخيل ، فغير جائز ، ولا في نظائره ، لفرق بينهما . فأما تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقِدِ الواحد ، فإنما جاز ، لأن المرادَ من

--> ( 1 ) " وفي نظائره " ، أي هو في نظائره جائز حسن أيضًا . ومثلها ما يأتي بعد أسطر في قوله " ولا في نظائره " ، حذف فيهما جميعًا .