محمد بن جرير الطبري
302
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فزعموا أن السُّمر - وهي القَنَا - لا لعب منها ، ولكنها لما قتلتْهم وشرَّدتهم ، جَعل ذلك مِنْ فعلها لعبًا بمن فعلت ذلك به . قالوا : فكذلك اسْتهزاءُ الله جل ثناؤه بمن اسْتهزأ به من أهل النفاق والكفر به : إمّا إهلاكه إياهم وتدميرُه بهم ، وإمّا إملاؤهُ لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتةً ، أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم . قالوا : وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسُّخرية . وقال آخرون قوله : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) ( 1 ) [ سورة النساء : 142 ] على الجواب ، كقول الرجل لمن كان يَخْدَعه إذا ظفر به : " أنا الذي خدعتُك " ، ولم تكن منه خديعة ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه . قالوا : وكذلك قوله : ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) [ سورة آل عمران : 54 ] ، و " الله يستهزئ بهم " ، على الجواب . والله لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْء ، والمعنى أن المكرَ والهُزْءَ حاق بهم . وقال آخرون : قوله : ( إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ، وقوله : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) [ سورة النساء : 142 ] ، وقوله : ( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ) [ سورة التوبة : 79 ] ، ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) [ سورة التوبة : 67 ] ، وما أشبه ذلك ، إخبارٌ من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء ، ومعاقبهم عقوبةَ الخداع . فأخرج خبرَه عن جزائه إياهم وعقابه لهم ، مُخْرَج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقُّوا العقاب في اللفظ ، وإن اختلف المعنيان . كما قال جل ثناؤه : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) [ سورة الشورى : 40 ] ، ومعلومٌ أن الأولى من صاحبها سيئة ، إذْ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية ، وأن الأخرى عَدلٌ ، لأنها من الله جزاءٌ
--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم " ، وهي آية سورة البقرة : 9 ، ولم يرد الطبري إلا آية سورة النساء ، كما يدل عليه سياق كلامه ، وكما ستأتي الآية بعد أسطر .