محمد بن جرير الطبري
285
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بذلك من قيلهم ، مع استسرارهم الشكَّ والريبة ، ( وَمَا يَخْدَعُونَ ) بصنيعهم ذلك ( إِلا أَنْفُسَهُمْ ) دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ؛ ( وَمَا يَشْعُرُونَ ) بموضع خديعتهم أنفسَهم ، واستدراج الله عز وجل إيّاهم بإملائه لهم ، ( فِي قُلُوبِهِمْ ) شك النفاق وريبَتُه ( 1 ) والله زائدهم شكًّا وريبة بما كانوا يَكذِبون الله ورسوله والمؤمنين بقَوْلهم بألسنتهم آمنَّا بالله وباليوم الآخر ، وهم في قيلهم ذلك كَذَبة ، لاستسرارهم الشَّكَّ والمرض في اعتقادات قلوبهم في أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم . فأولى في حكمة الله جل جلاله ، أن يكون الوعيد منه لهم على ما افتتح به الخبَر عنهم من قبيح أفعالهم وذميم أخلاقهم ، دون ما لم يَجْرِ له ذكر من أفعالهم . إذْ كان سائرُ آيات تنزيله بذلك نزل ، وهو : أن يَفتتِح ذكر محاسن أفعالِ قومٍ ، ثم يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذِكره من أفعالهم ، ويفتتح ذِكْر مساوي أفعالِ آخرين ، ثم يختم ذلك بالوعيدِ على ما ابتدأ به ذكرَه من أفعالهم . فكذلك الصحيح من القول - في الآيات التي افتتح فيها ذِكر بعض مساوى أفعال المنافقين - أنْ يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذِكرَه من قبائح أفعالهم . فهذا هذا ( 2 ) ، مع دلالة الآية الأخرى على صحة ما قلنا ، وشهادتِها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا ، وأنّ الصواب من التأويل ما تأوّلنا ، من أنّ وعيد الله المنافقين في هذه الآية العذابَ الأليمَ على الكذب الجامع معنى الشكّ والتكذيب ، وذلك قولُ الله تبارك وتعالى : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ سورة المنافقون : 1 ، 2 ] . والآية
--> ( 1 ) في المطبوعة : " في قلوبهم شك ، أي نفاق وريبة " . والذي في المخطوطة أصح . ( 2 ) في المطبوعة : " فهذا مع دلالة الآية الأخرى . . " ، ولم يأت في الجملة خبر قوله " فهذا " ، والذي في المخطوطة هو الصواب .