محمد بن جرير الطبري
271
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وَبغْيِهم الغوائِل ، قومٌ - من أرَاهط الأنصار الذين آوَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَصَروه ( 1 ) - وكانوا قد عَسَوْا في شركهم وجاهليِّتِهم ( 2 ) قد سُمُّوا لنا بأسمائهم ، كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم ، وظاهروهم على ذلك في خَفاءٍ غير جِهارٍ ، حذارَ القتل على أنفسهم ، والسِّباءِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وركونًا إلى اليهود لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام . فكانوا إذا لَقُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه قالوا لهم - حِذارًا على أنفسهم - : إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبَعْث ، وأعطَوْهم بألسنتهم كلمةَ الحقِّ ، ليدرأوا عن أنفسهم حُكم الله فيمن اعتقدَ ما هم عليه مقيمون من الشرك ، لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم . وإذا لقُوا إخوانَهم من اليهود وأهل الشّركِ والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، فخلَوْا بهم قَالُوا : ( إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) . فإياهم عَنَى جلّ ذكره بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، يعني بقوله تعالى خبرًا عنهم : آمنّا بالله - : وصدّقنا بالله ( 3 ) . وقد دللنا على أنّ معنى الإيمان : التصديق ، فيما مضى قبل من كتابنا هذا ( 4 ) . وقوله : ( وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ) ، يعني : بالبعث يوم القيامة ، وإنما سُمّى يومُ القيامة " اليومَ الآخر " ، لأنه آخر يوم ، لا يومَ بعده سواه . فإن قال قائل : وكيف لا يكون بعده يوم ، ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء ، ولا زوال ؟
--> ( 1 ) الغوائل جمع غائلة : وهي : النائبة التي تغول وتهلك . وأراهط جمع رهط ، والرهط : عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة ، لا يكون فيهم امرأة . وعنى بهم العدد القليل من بطون الأنصار . ( 2 ) في المطبوعة : " عتوا في جاهليتهم " وكلتاهما صواب . عسا الشيء يعسو : اشتد وصلب وغلظ من تقادم العهد عليه ، وعسا الرجل : كبر . والعاسي : هو الجافي ، ومثله العاتي . وعتا يعتو ، في معناه . وانظر ما مضى ص : 36 ، تعليق . ( 3 ) في المطبوعة " وصدقنا بالله " ، وزيادة الواو خطأ . ( 4 ) انظر ما مضى ص : 234 - 235 .