محمد بن جرير الطبري
262
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وهذه الآية من أوْضحِ الدليل على فساد قول المنكرين تكليفَ ما لا يُطاق إلا بمعونة الله ، لأن الله جل ثناؤه أخبرَ أنه ختم على قلوب صِنْف من كُفَّار عباده وأسماعهم ، ثم لم يُسقط التكليف عنهم ، ولم يَضَعْ عن أحدٍ منهم فرائضَه ، ولم يعذِرْهُ في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه - بَلْ أخبر أن لجميعِهم منه عذابًا عظيما على تركِهم طاعتَه فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه ، مع حَتْمه القضاءَ عليهم مع ذلك ، بأنهم لا يؤمنون . * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } قال أبو جعفر : وقوله ( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) خبرٌ مبتدأ بعد تمام الخبر عمَّا ختم الله جلَّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الذين مضت قِصَصهم . وذلك أن " غِشاوةٌ " مرفوعة بقوله " وعلى أبصارهم " ، فذلك دليل على أنه خَبرٌ مبتدأ ، وأن قوله " ختم الله على قلوبهم " ، قد تناهى عند قوله " وعلى سمْعهم " . وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين : أحدهما : اتفاق الحجة من القُرَّاء والعلماء على الشهادة بتصحيحها ، وانفرادُ المخالف لهم في ذلك ، وشذوذه عمّا هم على تَخطئته مجمعون . وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهدًا على خطئها . والثاني : أنّ الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيء من كتاب الله ، ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا موجودٍ في لغة أحد من العرب . وقد قال تبارك وتعالى في سورة أخرى : ( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ) ، ثم قال : ( وَجَعَلَ