محمد بن جرير الطبري
248
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بما أنزل إلى محمد ، وبما أنزل إلى من قبله من الرسل . وقال آخرون : بل عنى بذلك الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وبما أنزل إلى من قبله ، وهم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب . وعلى هذا التأويل الآخر يحتمل أن يكون ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) في محل خفض ، ومحل رفع . فأما الرفع فيه فإنه يأتيها من وجهين : أحدهما : من قبل العطف على ما في " يؤمنون بالغيب " من ذكر " الذين " ، والثاني : أن يكون خبر مبتدأ ، أو يكون " أولئك على هدى من ربهم " ، مرافعها . وأما الخفض فعلى العطف على " المتقين " ، وإذا كانت معطوفة على " الذين " اتجه لها وجهان من المعنى : أحدهما : أن تكون هي و " الذين " الأولى ، من صفة المتقين . وذلك على تأويل من رأى أن الآيات الأربع بعد " ألم " ، نزلت في صنف واحد من أصناف المؤمنين . والوجه الثاني : أن تكون " الذين " الثانية معطوفة في الإعراب على " المتقين " بمعنى الخفض ، وهم في المعنى صنف غير الصنف الأول . وذلك على مذهب من رأى أن الذين نزلت فيهم الآيتان الأولتان من المؤمنين بعد قوله " ألم " ، غير الذين نزلت فيهم الآيتان الآخرتان اللتان تليان الأولتين . وقد يحتمل أن تكون " الذين " الثانية مرفوعة في هذا الوجه بمعنى الائتناف ( 1 ) ، إذ كانت مبتدأ بها بعد تمام آية وانقضاء قصة . وقد يجوز الرفع فيها أيضا بنية الائتناف ، إذ كانت في مبتدأ آية ، وإن كانت من صفة المتقين . فالرفع إذا يصح فيها من أربعة أوجه ، والخفض من وجهين . وأولى التأويلات عندي بقوله ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عباس ، وأن تكون " أولئك " إشارة إلى الفريقين ، أعني :
--> ( 1 ) في المطبوعة : " الاستئناف " في هذا الموضع والذي يليه . وهما بمعنى .