محمد بن جرير الطبري
237
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، " الذين يؤمنون بالغيب " : آمنوا بالله وملائكته ورُسُلِه واليومِ الآخِر ، وجَنّته وناره ولقائه ، وآمنوا بالحياة بعد الموت . فهذا كله غيبٌ ( 1 ) . وأصل الغيب : كُلّ ما غاب عنك من شيءٍ . وهو من قولك : غاب فُلان يغيبُ غيبًا . وقد اختلفَ أهلُ التأويل في أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم ، وفي نَعْتهم وصِفَتهم التي وَصفَهم بها ، من إيمانهم بالغيب ، وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيرَه . فقال بعضُهم : هم مؤمنو العربِ خاصة ، دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب . واستدَلُّوا على صحّة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم ، بالآية التي تتلو هاتين الآيتين ، وهو قول الله عز وجل : ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) . قالوا : فلم يكن للعرب كتابٌ قبل الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجلّ على محمد صلى الله عليه وسلم ، تدينُ بتصديقِه والإقرار والعملِ به . وإنما كان الكتابُ لأهل الكتابين غيرِها . قالوا : فلما قصّ الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله - بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب - علمنا أن كلَّ صِنفٍ منهم غيرُ الصنف الآخر ، وأن المؤمنين بالغيب نوعٌ غيرُ النوع المصدِّق بالكتابين اللذين أحدهما مُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، والآخرُ منهما على مَنْ قَبْلَ رسول الله ( 2 ) .
--> ( 1 ) الأثر 276 - ذكره ابن كثير 1 : 73 هكذا : " قال أبو جعفر الرازي عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية . . . " . وذكره السيوطي 1 : 25 هكذا : " وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية . . " . فأخشى أن يكون ذكر " عن أبي العالية " سقط من الإسناد من نسخ الطبري ، لثبوته عند هذين الناقلين عنه . ( 2 ) في المخطوطة : " والآخر منهما على من قبله رسول الله " ، والظاهر أن صوابها : " على من قبل رسول الله " ، كما أثبتناها . وأما المطبوعة ففيها : " على من قبله من رسل الله تعالى ذكره " .