محمد بن جرير الطبري
234
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
معاصِيَه ، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه ، فأطاعوه بأدائها . وذلك أنّ الله عزّ وجلّ وصَفهم بالتقوَى ، فلم يحصُرْ تقواهم إياه على بعضِ ما هو أهلٌ له منهم دون بعض ( 1 ) . فليس لأحد من الناس أن يحصُر معنى ذلك ، على وَصْفهم بشيء من تَقوى الله عز وجل دون شيء ، إلا بحجة يجبُ التسليمُ لها . لأن ذلك من صفة القوم - لو كان محصورًا على خاصّ من معاني التقوى دون العامّ منها - لم يدعِ الله جل ثناؤه بيانَ ذلك لعباده : إما في كتابه ، وإما على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، إذْ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التقوى . فقد تبيّن إذًا بذلك فسادُ قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو : الذين اتَّقَوُا الشرك وبرئوا من النِّفاق . لأنه قد يكون كذلك ، وهو فاسقٌ غيرُ مستَحِق أن يكون من المتقين ، إلا أن يكون - عند قائل هذا القول - معنى النفاق : ركوبُ الفواحش التي حَرَّمها الله جل ثناؤه ، وتضييعُ فرائضه التي فرضها عليه . فإن جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمِّي من كان يفعل ذلك منافقًا . فيكون - وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم - مصيبًا تأويلَ قول الله عز وجل " للمتقين " . * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } 267 - حدثنا محمد بن حُميد الرازي ، قال : حدثنا سَلَمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " الذين يؤمنون " ، قال : يصدِّقون . 268 - حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السَّهمي ، قال : حدثنا أبو صالح ،
--> ( 1 ) في المطبوعة : " وذلك أن الله عز وجل إنما وصفهم " ، ولا فائدة من زيادة " إنما " . ثم جاء في المخطوطة والمطبوعة : " فلم يحصر تقواهم إياه على بعضها من أهل منهم دون بعض " ؛ وهو كلام مختلط ، وصوابه ما أثبته ، وهو معنى الكلام كما ترى بعد .