محمد بن جرير الطبري

212

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

سورةٍ منها أن يضمّ إلى اسمها المسمَّى به من ذلك ، ما يفرِّق به السامع بين الخبر عنها وعن غيرها ، من نعتٍ وصفةٍ أو غير ذلك . فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة ، إذا سماها باسمها الذي هو " ألم " : قرأتُ " ألم البقرة " ، وفي آل عمران : قرأت " ألم آل عمران " ، و " ألم ذلك الكتاب " ، و " ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم " . كما لو أراد الخبر عن رَجلين ، اسم كل واحد منهما " عمرو " ، غير أنّ أحدهما تميمي والآخر أزديَّ ، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما : لقيت عمرًا التميمي وعمرًا الأزديَّ ، إذْ كان لا يفرُقُ بينهما وبين غيرهما ممن يُشاركهما في أسمائهما ، إلا بنسبتهما كذلك . فكذلك ذلك في قول من تأوَّل في الحروف المقطعة أنها أسماءٌ للسُّور . وأما الذين قالوا : ذلك فواتحُ يفتتح الله عز وجل بها كلامه ، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمَّن حكينا عنهُ من أهل العربية ، أنه قال : ذلك أدِلَّةٌ على انقضاء سُورة وابتداءٍ في أخرى ، وعلامةٌ لانقطاع ما بينهما ، كما جعلت " بل " في ابتداء قصيدةٍ دلالةً على ابتداء فيها ، وانقضاءِ أخرى قَبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداءَ في إنشاد قصيدة ، قالوا : بل * ما هاجَ أحْزَانًا وشجوًا قد شَجا و " بل " ليست من البيت ولا داخلةً في وزنه ، ولكن ليَدُلَّ به على قطع كلام وابتداء آخر . وأما الذين قالوا : ذلك حروف مقطَّعة بعضها من أسماء الله عز وجل ، وبعضُها من صفاته ، ولكل حرف من ذلك معنى غيرُ معنى الحرف الآخر ، فإنهم نَحَوْا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر : قُلْنَا لها : قِفِي لنا ، قالت : قافْ . . . لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينا الإيجاف ( 1 )

--> ( 1 ) الرجز للوليد بن عقبة . الأغاني 5 : 131 ، شرح شواهد الشافية : 271 ، ومشكل القرآن : 238 . الإيجاف : حيث الدابة على سرعة السير ، وهو الوجيف .