محمد بن جرير الطبري

209

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقال بعضهم : لكل كتاب سرٌّ ، وسرُّ القرآن فواتحه . * * * وأمَّا أهل العربية ، فإنهم اختلفوا في معنى ذلك . فقال بعضهم : هي حروف من حُرُوف المعجم ، استُغْنِيَ بذكر ما ذُكر منها في أوائل السور عن ذكر بَواقيها ، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا ؛ كما استغنى المُخبرُ - عمن أخبرَ عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين حرفًا - بذكر " أب ت ث " ، عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين : قال . ولذلك رُفع ( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، لأنّ معنى الكلام : الألف واللام والميم من الحروف المقطعة ، ذلك الكتابُ الذي أنزلته إليك مجموعًا لا ريب فيه . فإن قال قائل : فإن " أب ت ث " ، قد صارتْ كالاسم في حروف الهجاء ، كما كان " الحمدُ " اسما لفاتحة الكتاب . قيل له : لما كان جائزًا أن يقول القائل : ابني في " ط ظ " ، وكان معلومًا بقيله ذلك لو قاله أنَّه يريد الخبر عن ابنه أنَّه في الحروف المقطَّعة - عُلم بذلك أنّ " أب ت ث " ليس لها باسْم ، وإن كان ذلك آثَرَ في الذكر من سائرها ( 1 ) . قال : وإنما خُولف بين ذكر حُرُوف المعجم في فواتح السور ، فذُكِرت في أوائلها مختلفةً ، وذِكْرِها إذا ذُكرت بأوائلها التي هي " أب ت ث " ، مؤتلفةً ، ليفصل بين الخبر عنها إذا أريد - بذكر ما ذكر منها مختلفًا - الدلالةُ على الكلام المتصل ؛ وإذا أريد - بذكر ما ذكر منها مؤتلفًا - الدلالةُ على الحروف المقطعة بأعيانها . واستشهدوا - لإجازة قول القائل : ابني في " ط ظ " وما أشبه ذلك ، من الخبر عنه أنه في حرُوف المعجم ، وأن ذلك من قيله في البيان يَقوم مقام قوله : ابني في " أب ت ث " - برجز بعض الرُّجّاز من بني أسد : لَمَّا رَأيْتُ أمرَهَا في حُطِّي . . . وفَنَكَتْ في كَذِب ولَطِّ . . . أَخذْتُ منها بقُرُونٍ

--> ( 1 ) في المطبوعة : " يؤثر في الذكر " . وآثر : يؤثره الناس ويقدمونه .