محمد بن جرير الطبري
196
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بالضّلال ، بقوله : " ولا الضالين " ، وإضافته الضَّلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه ، وتركه وصفهم بأنهم المضلَّلون ، كالذي وَصف به اليهود أنهم المغضوبُ عليهم - دلالةً على صحة ما قاله إخوانُه من جهلة القدرية ، جهلا منه بسَعَة كلام العرب وتصاريف وُجوهه . ولو كان الأمر على ما ظَنّه الغبي الذي وصفنا شأنه ، لوجب أن يكونَ شأنُ كلِّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ ، لا يجوزُ أن يكون فيه سببٌ لغيره ، وأنْ يكون كلُّ ما كان فيه من ذلك لغيره سببٌ ، فالحقُّ فيه أن يكون مضافًا إلى مُسبِّبه ، ولو وَجب ذلك ، لوجبَ أن يكون خطأ قولُ القائل : " تحركت الشجرةُ " ، إذْ حرَّكتها الرياح ؛ و " اضطربت الأرض " ، إذْ حرَّكتها الزلزلة ، وما أشبهَ ذلك من الكلام الذي يطولُ بإحصائه الكتاب . وفي قول الله جلّ ثناؤه : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ) [ سورة يونس : 22 ] - بإضافته الجريَ إلى الفلك ، وإن كان جريها بإجراء غيرِها إيَّاها - ما دلّ على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله : " ولا الضالين " ، وادّعائه أنّ في نسبة الله جلّ ثناؤه الضلالةَ إلى من نَسبها إليه من النصارى ، تصحيحًا لما ادَّعى المنكرون : أن يكون لله جلّ ثناؤه في أفعال خلقه سببٌ من أجله وُجدت أفعالهم ، مع إبانة الله عزّ ذكره نصًّا في آيٍ كثيرة من تنزيله ، أنه المضلُّ الهادي ، فمن ذلك قوله جل ثناؤه : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) [ سورة الجاثية : 23 ] . فأنبأ جلّ ذكره أنه المضلّ الهادي دون غيره . ولكنّ القرآن نزلَ بلسان العرب ، على ما قدَّمنا البيان عنه في أول الكتاب ، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وُجد منه - وإن كان مسبِّبُه غيرَ الذي وُجِد