محمد بن جرير الطبري

191

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

التي " مع المغضوب عليهم " ، لو كانت بمعنى سوى ، لكان خطأ أن يعطف عليها ب‍ " لا " ، إذْ كانت " لا " لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها . كما كان خطأ قول القائل : " عندي سِوَى أخيك ولا أبيك " ، لأن سِوَى ليست من حروف النفي والجحود . ويقول : لما كان ذلك خطأ في كلام العرب ، وكان القرآن بأفصحِ اللغات من لغات العرب ، كان معلومًا أن الذي زَعمه القائل : أن " غير " مع " المغضوب عليهم " بمعنى : سوى المغضوب عليهم ، خطأ . إذ كان قد كرّ عليه الكلامَ ب‍ " لا " . وكان يزعم أن " غير " هنالك إنما هي بمعنى الجحد . إذْ كان صحيحًا في كلام العرب ، وفاشيًا ظاهرًا في منطقها توجيه " غير " إلى معنى النفي ومستعملا فيهم : " أخوك غير مُحسِن ولا مُجْمِل " ، يراد بذلك أخوك لا محسن ، ولا مجمل ، ويَستنكرُ أن تأتي " لا " بمعنى الحذف في الكلام مُبتدأً ، ولمَّا يتقدمها جحد . ويقول : لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مُبتدأ ، قبل دلالة تدلّ ذلك من جحد سابق ، لصحَّ قول قائل قال : " أردْتُ أن لا أكرم أخاك " ، بمعنى : أردت أن أكرم أخاك . وكان يقول : ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك ، دلالةٌ واضحة على أنَّ " لا " تأتي مبتدأة بمعنى الحذف ، ولَمَّا يتقدَّمها جحد . وكان يتأوّل في " لا " التي في بيت العجاج ، الذي ذكرنا أن البصْريّ استشهد به ، بقوله : إنها جَحْدٌ صحيح ، وأنّ معنى البيت : سَرَى في بئر لا تُحيرُ عليه خيرًا ، ولا يتبيَّن له فيها أثرُ عملٍ ، وهو لا يشعُر بذلك ولا يدري به ( 1 ) . من قولهم : " طحنت الطَّاحنة فما أحارت شيئًا " ، أي لم يتبيَّن لها أثرُ عملٍ . ويقول في سائر الأبيات الأخر ، أعني مثل بَيت أبي النجم : : فما ألُوم البيضَ أن لا تسخَرَا إنما جاز أن تكون " لا " بمعنى الحذف ، لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام ، فكان الكلام الآخر مُواصِلا للأول ، كما قال الشاعر :

--> ( 1 ) عبارة الفراء في معاني القرآن : " كأنك قلت : إلى غير رشد توجه وما درى " .