محمد بن جرير الطبري
171
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ومنه قول الراجز : * فَصُدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّراطِ القَاصدِ ( 1 ) * والشواهد على ذلك أكثرُ من أن تُحصى ، وفيما ذكرنا غنًى عما تركنا . ثم تستعيرُ العرب " الصراط " فتستعمله في كل قولٍ وعمل وُصِف باستقامة أو اعوجاج ، فتصفُ المستقيمَ باستقامته ، والمعوجَّ باعوجاجه . والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي ، أعني : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، أن يكونا معنيًّا به : وَفّقنا للثبات على ما ارتضيتَه ووَفّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك ، من قولٍ وعملٍ ، وذلك هو الصِّراط المستقيم . لأن من وُفّق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيِّين والصديقين والشهداء ، فقد وُفّق للإسلام ، وتصديقِ الرسلِ ، والتمسكِ بالكتاب ، والعملِ بما أمر الله به ، والانزجار عمّا زَجره عنه ، واتّباع منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي . وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ ، وكل ذلك من الصراط المستقيم . وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم ( 2 ) . يشمل معاني جميعهم في ذلك ، ما اخترنا من التأويل فيه . ومما قالته في ذلك ، ما رُوي عن علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال ، وذكر القرآن ، فقال : هو الصراط المستقيم . 174 - حدثنا بذلك موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : حدثنا حسين الجُعْفي ، عن حمزة الزيات ، عن أبي المختار الطائي ، عن ابن أخي الحارث ، عن الحارث ، عن عليّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( 3 ) .
--> ( 1 ) رواه القرطبي في تفسيره 1 : 128 " الصراط الواضح " . ( 2 ) تراجمة القرآن : جمع ترجمان : وأراد المفسرين ، وانظر ما مضى : 70 تعليق : 1 ( 3 ) الحديث 174 - إسناده ضعيف جدًا . موسى بن عبد الرحمن المسروقي : ثقة ، روى عنه الترمذي ، والنسائي ، وابن خزيمة ، وغيرهم . مات سنة 258 ، مترجم في التهذيب . حسين الجعفي : هو حسين بن علي بن الوليد ، ثقة معروف ، روى عنه أحمد ، وابن معين ، وغيرهم ، بل روى عنه ابن عيينة وهو أكبر منه . وأخرج له أصحاب الكتب الستة . حمزة الزيات : هو حمزة بن حبيب ، القارئ المعروف . وتكلم في رواية بعضهم ، والحق أنه ثقة ، وأخرج له مسلم في صحيحه . أبو المختار الطائي : قيل اسمه : سعد ، وهو مجهول ، جهله المديني وأبو زرعة . ابن أخي الحارث الأعور : أشد جهالة من ذلك ، لم يسم هو ولا أبوه . عمه الحارث : هو ابن عبد الله الأعور الهمداني ، وهو ضعيف جدا . وقد اختلف فيه العلماء اختلافا كثيرا ، حتى وصفه الشعبي وغيره بأنه " كان كذابًا " ، وقد رجحت في شرح الحديث 565 وغيره من المسند أنه ضعيف جدا . وأما متن الحديث : فقد رواه - بمعناه - ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة عن يحيى بن يمان عن حمزة الزيات ، بهذا الإسناد ، فيما نقل ابن كثير 1 : 50 ووقع فيه تحريف الإسناد هناك . وهو جزء من حديث طويل ، في فضل القرآن - رواه الترمذي ( 4 : 51 - 52 من تحفة الأحوذي ) ، عن عبد بن حميد عن حسين الجعفي ، بهذا الإسناد . وقال الترمذي : " هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات ، وإسناده مجهول ، وفي حديث الحارث مقال " . كذلك رواه الدارمي في سننه 2 : 435 عن محمد بن يزيد الرفاعي عن حسين الجعفي . ونقله السيوطي 1 : 15 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في شعب الإيمان . وأشار إليه الذهبي في الميزان 3 : 380 في ترجمة أبي المختار الطائي ، قال : " حديثه في فضائل القرآن منكر " . ونقله ابن كثير في الفضائل : 14 - 15 عن الترمذي ، ونقل تضعيفه إياه ، ثم قال : " لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات ، بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور . فبرئ حمزة من عهدته ، على أنه وإن كان ضعيف الحديث ، فإنه إمام في القراءة . والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور ، وقد تكلموا فيه ، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده ، أما أنه تعمد الكذب في الحديث - فلا . وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وقد وهم بعضهم في رفعه ، وهو كلام حسن صحيح " . وسيأتي 175 ، 176 بإسنادين آخرين ، موقوفًا ، من كلام علي رضي الله عنه . ورواية ابن إسحاق - التي أشار إليها ابن كثير - هي حديث أحمد في المسند : 565 . عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق . وقد ضعفنا إسناده هناك ، بالحارث الأعور ، وبانقطاعه بين ابن إسحاق ومحمد بن كعب . وليس فيه الحرف الذي هنا ، في تفسير " الصراط المستقيم " .