محمد بن جرير الطبري

168

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

لمن فرضَه عليه . أو يكون أمِر أن يدعوَ ربَّه أن يفرض عليه الفرائضَ التي لم يفرضْها . وفي فساد وَجه مسألة العبد ربَّه ذلك ، ما يوضِّح عن أن معنى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، غير معنى : بيِّن لنا فرائضَك وحدودَك . أو يكون ظنّ أنه أمِر بمسألة ربه الزيادةَ في المعونة والتوفيق . فإن كان ذلك كذلك ، فلن تخلوَ مسألتُه تلك الزيادةَ من أن تكون مسألةً للزيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله ، أو على ما يحدُث . وفي ارتفاع حاجةِ العبد إلى المعونة على ما قد تقضَّى من عمله ( 1 ) ، ما يُعلِمُ أنّ معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألتُه الزيادةَ لما يحدث من عمله . وإذْ كانَ ذلك كذلك ، صارَ الأمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك : من أنه مسألة العبد ربَّه التوفيقَ لأداء ما كُلِّف من فرائضه ، فيما يَستقبل من عُمُره . وفي صحة ذلك ، فسادُ قول أهل القدَر الزاعمين أنّ كل مأمور بأمرٍ أو مكلَّف فرضًا ، فقد أعطي من المعونة عليه ، ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجتُه إلى ربِّه ( 2 ) . لأنه لو كان الأمرُ على ما قالوا في ذلك ، لبطَلَ معنى قول الله جل ثناؤه : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) . وفي صحة معنى ذلك ، على ما بيَّنا ، فسادُ قولهم . وقد زعم بعضُهم أنّ معنى قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) : أسْلِكنا طريق الجنة في المعاد ، أيْ قدِّمنا له وامض بنا إليه ، كما قال جلّ ثناؤه : ( فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ) [ سورة الصافات : 23 ] ، أي أدخلوهم النار ، كما تُهْدَى المرأة إلى زوجها ، يُعني بذلك أنها تُدخَل إليه ، وكما تُهدَى الهديَّة إلى الرجل ، وكما تَهدِي الساقَ القدمُ ، نظير قَول طَرفة بن العبد :

--> ( 1 ) ارتفع الأمر : زال وذهب ، كأنه كان موضوعا حاضرا ثم ارتفع . ومنه : ارتفع الخلاف بينهما . ( 2 ) انظر ص : 162 التعليق رقم 2 .