محمد بن جرير الطبري
166
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
" نُعْبد " إليها ( 1 ) وأنّ الصواب أن تكونَ معها " إياك " ، إذْ كانت كل كلمة منها جملةَ خبرِ مبتدأ ، وبيّنًا حُكم مخالفة ذلك حُكم " بين " فيما وَفّق بينهما الذي وصفنا قوله . * * * القول في تأويل قوله : { اهْدِنَا } . قال أبو جعفر : ومعنى قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، في هذا الموضع عندنا : وَفِّقْنا للثبات عليه ، كما رُوي ذلك عن ابن عباس : - 173 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد صلى الله عليه : " قل ، يا محمد ، اهدنا الصراط المستقيمَ " . يقول : ألهمنا الطريق الهادي ( 2 ) . وإلهامه إياه ذلك ، هو توفيقه له ، كالذي قلنا في تأويله . ومعناه نظيرُ معنى قوله : " إياك نستعين " ، في أنه مَسألةُ العبد ربَّه التوفيقَ للثبات على العمل بطاعته ، وإصابة الحق والصواب فيما أمَره به ونهاه عنه ، فيما يَستَقبِلُ من عُمُره ، دون ما قد مضى من أعماله ، وتقضَّى فيما سَلف من عُمُره . كما في قوله : " إياك نستعين " ، مسألةٌ منه ربَّه المعونةَ على أداء ما قد كلَّفه من طاعته ، فيما بقي من عُمُره . فكانَ معنى الكلام : اللهمّ إياك نعبدُ وحدَك لا شريك لك ، مخلصين لك العبادةَ دونَ ما سِواك من الآلهة والأوثان ، فأعِنَّا على عبادتك ، ووفِّقنا لما
--> ( 1 ) يعني أن حاجة الأولى منهما كحاجة الثانية ، فلذلك وجب تكرارها . سياق العبارة : " فكان معلومًا أن حاجة كل كلمة . . . وكان معلومًا أم الصواب أن تكون معها . . . وكان بينًا . . . " إلى آخر الفقرة . ( 2 ) يأتي بتمامه وتخريجه برقم 179 .