محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

لها منطقًا قبل نزول القرآن ، ولا كانت بها العرب عارفةً قبل مجيء الفرقان - فيكون ذلك قولا لقولنا خِلافًا ( 1 ) . وإنما قال بعضهم : حرف كذا بلسان الحبشة معناهُ كذا ، وحرفُ كذا بلسان العجم معناه كذا . ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد ، فكيف بجنسين منها ؟ كما وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة ، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرْطاس ، وغير ذلك - مما يتعب إحصاؤه وُيمِلّ تعداده ، كرهنا إطالة الكتاب بذكره - مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى . ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها . فلو أن قائلا قال - فيما ذكرنا من الأشياء التي عددْنا وأخبِرْنا اتفاقَه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية ، وما أشبهَ ذلك مما سكتنا عن ذكره - : ذلك كله فارسي لا عربي ، أو ذلك كله عربي لا فارسي ، أو قال : بعضه عربي وبعضه فارسي ، أو قال : كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به ، أو قال : كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته - كان مستجهَلا ( 2 ) لأن العربَ ليست بأولى أن تكون كان مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم ، ولا العجم أحقَّ أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب ، إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودًا في الجنسين . وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصفنا في الجنسين ، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر . والمدّعي أن مخرج صل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر ، مدّعٍ أمرًا لا يوصَل إلى حقيقة صحّته إلا بخبر يوجب العلم ، ويزيل الشكّ ، ويقطع العذرَ صحتُه .

--> ( 1 ) خلاف : مخالف ، وسيكثر مجيئها في كلام الطبري . ( 2 ) قوله : " كان مستجهلا " ، جواب قوله : " لو أن قائلا قال . . " . والفصل في عبارة الطبري يكون أطول من هذا ، كما سيمر بك . واستجهل فلانًا : عده جاهلا ، أو وجده جاهلا . والجهل هنا : فساد الرأي واضطرابه ، لأنه مبني على التحكم المحض ، كما ترى في رد الطبري .