محمد بن جرير الطبري
149
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
مشتق ، وأن المالك من " المِلْك " مأخوذٌ . فتأويل قراءةِ من قرأ ذلك : ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، أن لله المُلْك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه ، الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة ينازعونه الملك ، ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية ( 1 ) . فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذِلّة ( 2 ) ، وأنّ له - من دُونهم ، ودون غيرهم - المُلك والكبرياء ، والعزة والبهاء ، كما قال جلّ ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله : ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) [ سورة غافر : 16 ] . فأخبر تعالى ذكره أنه المنفرد يومئذ بالمُلك دون ملوك الدنيا ، الذين صارُوا يوم الدّين منْ مُلكهم إلى ذِلّة وصَغار ، ومن دُنياهم في المعاد إلى خسار . وأما تأويلُ قراءة من قرأ : ( مالك يوم الدين ) ، فما : - 166 - حدثنا به أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، يقول : لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معهُ حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا . ثم قال : ( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) [ سورة النبأ : 38 ] وقال : ( وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ) [ سورة طه : 108 ] . وقال : ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى ) ( 3 ) [ سورة الأنبياء : 28 ] . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية ، وأصحُّ القراءتين في التلاوة عندي ،
--> ( 1 ) الجبرية والجبروت واحد ، وهو من صفات الله العلي . الجبار : القاهر فوق عباده ، يقهرهم على ما أراد من أمر ونهي ، سبحانه وتعالى . ( 2 ) الصغرة جمع صاغر : وهو الراضي بالذل المقر به . والأذلة جمع ذليل . ( 3 ) الخبر 166 - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد 137 . وهذا الخبر ، مع باقيه الآتي 167 نقله ابن كثير 1 : 46 دون إسناد ولا نسبة ، ونقله السيوطي 1 : 14 ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم . وقال ابن كثير : " وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف . وهو ظاهر " .