محمد بن جرير الطبري

138

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : ولا تَمانُع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم ( 1 ) ، لقول القائل : " الحمد لله شكرًا " - بالصحة . فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر ، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد . لأن ذلك لو لم يكن كذلك ، لما جاز أن يُقال " الحمد لله شكرًا " ، فيُخْرِج من قول القائل " الحمد لله " مُصَدَّرَ : " أشكُرُ " ، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد ، كان خطأ أن يُصَدَّرَ من الحمد غيرُ معناه وغير لفظه . ( 2 ) فإن قال لنا قائل : وما وجه إدخال الألف واللام في الحمد ؟ وهلا قيل : حمدًا لله رب العالمين ؟ قيل : إن لدخول الألف واللام في الحمد ، معنى لا يؤديه قول القائل " حَمْدًا " ، بإسقاط الألف واللام . وذلك أن دخولهما في الحمد مُنْبِئٌ عن أن معناه ( 3 ) : جميعُ المحامد والشكرُ الكامل لله . ولو أسقطتا منه لما دَلّ إلا على أنّ حَمْدَ قائلِ ذلك لله ، دون المحامد كلها . إذْ كان معنى قول القائل : " حمدًا لله " أو " حمدٌ لله " :

--> ( 1 ) انظر ما كتبناه آنفًا : 126 عن معنى " لا تمانع " . ( 2 ) تكلم العلماء في نقض ما ذهب إليه أبو جعفر من أن " الحمد والشكر " بمعنى ، وأن أحدهما يوضع موضع الآخر ، وهو ما ذهب إليه المبرد أيضًا . انظر القرطبي 1 : 116 ، وابن كثير 1 : 42 ، وأخطأ النقل عن القرطبي ، فظنه استدل لصحة قول الطبري ، وهو وهم . والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه . وقوله " مصدر أشكر " ، وقوله " أن يصدر من الحمد " ، يعني به المفعول المطلق . وانظر ما مضى : 117 ، تعليق : 1 . ( 3 ) في المطبوعة : " مبني على أن معناه " ، أدخلوا عليه التبديل .