محمد بن جرير الطبري

129

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بين جميعهم جل ذكرُه في عَدله وقضائه ، فلا يظلم أحدًا منهم مِثْقال ذَرّة ، وإن تَكُ حسنةً يُضاعفها ويُؤتِ من لَدُنْهُ أجرًا عظيما ، وتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ . فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعَهم برحمته ، الذي كان به رحمانًا في الآخرة . وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته ، الذي كان به رحيما لهم فيها ، كما قال جل ذكره : ( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) [ سورة الأحزاب : 43 ] فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم ، فخصّهم به ، دونَ من خذَله من أهل الكفر به . وأمَّا ما خصّهم به في الآخرة ، فكان به رحيما لهم دون الكافرين ، فما وصفنا آنفًا مما أعدَّ لهم دون غيرهم من النعيم ، والكرامة التي تقصرُ عنها الأمانيّ . وأما القول الآخر في تأويله فهو ما : - 148 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : الرحمن ، الفعلان من الرحمة ، وهو من كلام العرب . قال : الرّحمن الرحيم : الرقيقُ الرفيقُ بمن أحبَّ أن يرحمه ، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنُف عليه . ( 1 ) وكذلك أسماؤه كلها . وهذا التأويل من ابن عباس ، يدل على أن الذي به ربُّنا رحمن ، هو الذي به رحيم ، وإن كان لقوله " الرحمن " من المعنى ، ما ليس لقوله " الرحيم " . لأنه جعل معنى " الرحمن " بمعنى الرقيق على من رقَّ عليه ، ومعنى " الرحيم " بمعنى الرفيق بمن رفق به . والقول الذي رويناه في تأويل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكرناه عن العرْزَمي ( 2 ) ، أشبه بتأويله من هذا القول الذي رويناه عن ابن عباس . وإن

--> ( 1 ) الحديث 148 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 41 عن هذا الموضع ، وقد مضى الكلام في هذا الإسناد ، وبيان ضعفه : 137 ، 141 . والذي في الدر المنثور 1 : 8 - 9 " على من أحب أن يضعف عليه العذاب " ، والظاهر أنه تصرف من ناسخ أو طابع . ( 2 ) إشارة إلى ما مضى : 146 ، ووقع في الأصول هنا " العرزمي " أيضًا ، بتقديم الزاي ، وهو خطأ ، كما بينا من قبل .