محمد بن جرير الطبري
128
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قيل : لجميعهما عندنا في الصحة مخرج ، فلا وجه لقول قائل : أيُّهما أولى بالصحة ؟ وذلك أنّ المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن ، دون الذي في تسميته بالرحيم : هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميعَ خلقه ، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعضَ خلقه ، إما في كل الأحوال ، وإما في بعض الأحوال . فلا شك - إذا كان ذلك كذلك - أنّ ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه ، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة ، أو فيهما جميعًا . فإذا كان صحيحًا ما قلنا من ذلك - وكان الله جل ثناؤه قد خصّ عباده المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته ، والإيمان به وبرسله ، واتباع أمره واجتناب معاصيه ، مما خُذِل عنه من أشرك به ، وكفر وخالف ما أمره به ، وركب معاصيَه ؛ وكان مع ذلك قد جعلَ ، جَلَّ ثناؤه ، ما أعد في آجل الآخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين ، لمن آمن به ، وصدّق رسله ، وعمل بطاعته ، خالصًا ، دون من أشرك وكفر به - ( 1 ) كان بيِّنًا إن الله قد خص المؤمنين من رحمته في الدنيا والآخرة ، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ في الدنيا من الإفضال والإحسان إلى جميعهم ، في البَسْط في الرزق ، وتسخير السحاب بالغَيْثِ ، وإخراج النبات من الأرض ، وصحة الأجسام والعقول ، وسائر النعم التي لا تُحصى ، التي يشترك فيها المؤمنون والكافرون . فربُّنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خلقه في الدنيا والآخرة ، ورحيمُ المؤمنين خاصةً في الدنيا والآخرة . فأما الذي عمّ جميعَهم به في الدنيا من رحمته فكان رَحمانًا لهم به ، فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه ، كما قال جل ثناؤه : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوهَا ) [ سورة إبراهيم : 34 ، وسورة النحل : 18 ] . وأما في الآخرة ، فالذي عمّ جميعهم به فيها من رحمته ، فكان لهم رحمانًا ، تسويته
--> ( 1 ) جواب قوله " فإذ كان صحيحًا . . . " وما بينهما فصل .