محمد بن جرير الطبري
127
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
من " فَعِل يفعَل " - أشدُّ عدولا من قوله " الرّحيم " . ولا خلاف مع ذلك بينهم ، أنّ كل اسم كان له أصل في " فَعِلَ يفعَل " - ثم كان عن أصله من " فَعِل يفعَلُ " أشد عدولا - أنّ الموصوف به مفضَّل على الموصوف بالاسم المبني على أصله من " فَعِل يفعَل " ، إذا كانت التسمية به مدحًا أو ذمًّا . فهذا ما في قول القائل " الرحمن " ، من زيادة المعنى على قوله " الرحيم " في اللغة . وأما من جهة الأثر والخبر ، ففيه بين أهل التأويل اختلاف : - 146 - فحدثني السري بن يحيى التميمي ، قال : حدثنا عثمان بن زفر ، قال : سمعت العَرْزَمي يقول : " الرحمن الرحيم " ، قال : الرحمن بجميع الخلق ، الرّحيم ، قال : بالمؤمنين . ( 1 ) 147 - حدثنا إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام ، عن عطية العَوفي ، عن أبي سعيد - يعني الخدريّ - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنّ عيسى ابن مريم قال : الرحمن رَحمنُ الآخرة والدنيا ، والرحيم رحيمُ الآخرة " . ( 2 ) فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو " رحمن " ، وتسميته باسمه الذي هو " رحيم " ، واختلاف معنى الكلمتين - وإن اختلفا في معنى ذلك الفرق ، فدلّ أحدهما على أنّ ذلك في الدنيا ، ودلّ الآخر على أنه في الآخرة . فإن قال : فأي هذين التأويلين أولى عندك بالصحة ؟
--> ( 1 ) الأثر 146 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 40 عن هذا الموضع . و " السري بن يحيى ابن السري التميمي الكوفي " ، شيخ الطبري ، لم نجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1 / 285 ، وقال : " لم يقض لنا السماع منه ، وكتب إلينا بشيء من حديثه ، وكان صدوقًا " . و " العرزمي " المرويُّ عنه هذا الكلام هنا : ضعيف جدا ، قال الإمام أحمد في المسند 6938 : " لا يساوي حديثه شيئًا " . وهو " محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي " . وأما عمه " عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي " ، فإنه تابعي ثقة ، ولكنه قديم ، مات سنة 145 ، فلم يدركه " عثمان بن زفر " المتوفى سنة 218 . و " العرزمي " بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها زاي ، نسبة إلى " عرزم " . ووقع هنا في الطبري وابن كثير " العرزمي " ، بتقديم الزاي على الراء ، وهو تصحيف . ( 2 ) الحديث 147 - هذا إسناد ضعيف ، بل إسنادان ضعيفان ، كما فصلنا فيما مضى : 140 ، 145 .