محمد بن جرير الطبري
118
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
إنما أُمِروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورِهم بتسمية الله ، لا بالخبر عن عظمته وصفاته ، كالذي أمِروا به من التسمية على الذبائح والصَّيد ، وعند المَطعم والمَشرب ، وسائر أفعالهم . وكذلك الذي أمِروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله ، وصدور رسائلهم وكتبهم . ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة ، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام ( 1 ) " بالله " ، ولم يقل " بسم الله " ، أنه مخالف - بتركه قِيلَ : " بسم الله " ما سُنَّ له عند التذكية من القول . وقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقوله " بسم الله " " بالله " ، كما قال الزاعم أن اسمَ الله في قول الله : " بسم الله الرحمن الرحيم " هو الله . لأن ذلك لو كان كما زعم ، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحتَه " بالله " ، قائلا ما سُنَّ له من القول على الذبيحة . وفي إجماع الجميع على أنّ قائلَ ذلك تارك ما سُنَّ له من القول على ذبيحته - إذْ لم يقل " بسم الله " - دليلٌ واضح على فساد ما ادَّعى من التأويل في قول القائل : " بسم الله " ، أنه مراد به " بالله " ، وأن اسم الله هو الله . وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم : أهُوَ المسمى ، أمْ غيرُه ، أم هو صفة له ؟ فنطيل الكتاب به ، وإنما هذا موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله : أهو اسمٌ ، أم مصدر بمعنى التسمية ( 2 ) ؟
--> ( 1 ) التذكية : النحر والذبح . ذكيت الشاة تذكية : ذبحتها . ( 2 ) استجاد أبو جعفر رضي الله عنه خير الرأي لحجته . والذي كتبه قبل ، وما يأتي بعد ، من أقوم ما قيل في شرح هذا الموضع الذي لجت فيه العقول والأقلام . وبيان ما قال أبو جعفر : إن قولك " اسم " في " بسم الله " ، إنما هو اسم مصدر ( أو اسم حدث ) ، أي هو في الأصل اسم لما تفعل من تسميتك الشيء ، مثل " الكلام " اسم حدث لما تفعل من التكليم ، ومثل " العطاء " اسم حدث لما تفعل من الإعطاء ، ومثل " الغسل " ، اسم حدث لما تفعل من الاغتسال . وكأن أصله من قولك " سموت الشيء سموا " ، فأماتوا فعله الثلاثي وبقي مصدره ، " سمو " ، فحذفوا واوه المتطرفة ، فصار " سم " فأعاضوه منها ألفًا في أوله ، فصار " اسم " ، كما كان قولك : " كلام " من فعل ثلاثي هو " كلم كلامًا " ، على مثال " ذهب ذهابًا " ، فأماتوا الفعل الثلاثي وبقي مصدره " كلام " ، فجعلوه اسم حدث لما تفعل من التكليم ، ثم أخرجوا مصدر الرباعي على مخرج اسم هذا الحدث ، فقالوا : " كلم يكلم كلامًا " ، بمعنى " كلم يكلم تكليمًا " . فكذلك فعلوا في قولهم " سمى يسمى تسمية " : أخرجوا لهذا الرباعي مصدرًا على مخرج اسم الحدث وهو " اسم " ، فقالوا : " سمى يسمى اسمًا " ؛ بمعنى " سمى يسمى تسمية " . فقولك " كلام " بمعنى " تكليم " وقولك " اسم " بمعنى " تسمية " صُدِّرا على مخارج أسماء الأحداث . وإذن فالمضاف إلى اسمه تعالى في قولك " بسم الله " وأشباهها ، إنما هو مصدر صدر على مخرج اسم الحدث ، وهو اسم ، من فعل رباعي هو " سمى يسمي " ، فكان بمعنى مصدره وهو " تسمية " . وهو في هذا المكان وأمثاله بمعنى المصدر " تسمية " ، لا بمعنى اسم الحدث لما تفعل من التسمية . ( انظر : 123 - 124 ، كلام الطبري في " أله " ) . وهذا الذي قاله أبو جعفر رضي الله عنه أبرع ما قيل في شرح هذا الحرف من كلام العرب . وقد أحسن النظر وأدقه ، حتى خفي على جلة العلماء الذين تكلموا في شرح معنى " اسم " في " بسم الله " وأشباهها ، فأغفلوه إغفالا لخفائه ووعورة مأتاه ، وإلفهم للكلام في الذي افتتحوه من القول في " الاسم " ، أهو المسمى أم غيره ، أم هو صفة له ، وما رسمه وما حده ؟ وهذا باب غير الذي نحن فيه ، فخلطوا فيه خلطًا ، فجاء الطبري فمحص الحق تمحيصًا ، وهو أرجح الآراء عندنا وأولاها بالتقديم ، لمن وفق لفهمه ، كما يقول أبو جعفر غفر الله له . وسيذكر بعد من الحجة ما يزيد المعنى وضوحًا وبيانًا . ولولا خوف الإطالة ، لأتيت بالشواهد على ترجيح قول الطبري الذي أغفلوه ، على كل رأي سبقه أو أتى بعده .