محمد بن جرير الطبري

112

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قول القائل : شَطَنَتْ دَاري من دارك - يريد بذلك : بَعُدت . ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان : نأتْ بِسُعَادَ عَنْك نَوًى شَطُونُ . . . فبانَت ، والفؤادُ بها رَهِينُ ( 1 ) والنوى : الوجه الذي نَوَتْه وقصَدتْه . والشَّطونُ : البعيد . فكأن الشيطان - على هذا التأويل - فَيعَال من شَطَن . ومما يدلّ على أن ذلك كذلك ، قولُ أميّة ابن أبي الصّلت : أَيُّمَا شاطِن عَصَاه عَكاهُ . . . ثُم يُلْقَى في السِّجْن والأكْبَالِ ( 2 ) ولو كان فَعلان ، من شاطَ يشيط ، لقال أيُّما شائط ، ولكنه قال : أيما شاطنٍ ، لأنه من " شَطَن يَشْطُنُ ، فهو شاطن " . تأويل قوله : ( الرَّجِيمِ ) . وأما الرجيم فهو : فَعيل بمعنى مفعول ، كقول القائل : كفٌّ خضيبٌ ، ولحيةٌ دهين ، ورجل لَعينٌ ، يريد بذلك : مخضوبة ومدهونة وملعون . وتأويل الرجيم : الملعون المشتوم . وكل مشتوم بقولٍ رديء أو سبٍّ فهو مَرْجُوم . وأصل الرجم الرَّميُ ، بقول كان أو بفعل . ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم صلوات الله عليه : { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ } [ سورة مريم : 46 ] . وقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان رجيمٌ ، لأن الله جل ثناؤه طرَده من سَمواته ، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب ( 3 )

--> ( 1 ) زيادات ديوانه : 20 . ( 2 ) ديوانه : 51 ، واللسان ( شطن ) و ( عكا ) . وعكاه في الحديد والوثاق : شده شدًّا وثيقًا . والأكبال جمع كبل : وهو القيد من الحديد . وأظنه أراد هنا البيت في السجن المضبب بالحديد ، من قولهم : كبله كبلا : حبسه في سجن . هذا ما أستظهره من سياق الشعر . ( 3 ) الشهب ، جمع شهاب : وهو الشعلة من النار ، ثم استعير للكوكب الذي ينقض بالليل . والثواقب ، جمع ثاقب : وهو المضيء المشتعل .