محمد بن جرير الطبري

108

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وَأَسَمْرَ ، قَوَّامٍ إذَا نَام صُحْبَتِي ، . . . خَفِيفِ الثِّيابِ لا تُوَارِي لَهُ أَزْرَا ( 1 ) عَلَى رَأْسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بِهَا ، . . . جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لَهَا أمْرَا ( 2 ) إذَا نزلتْ قِيلَ : انزلُوا ، وإذا غدَتْ . . . غَدَتْ ذاتَ بِرْزيقٍ نَنَال بِهَا فَخْرَا ( 3 ) يعني بقوله : " على رأسه أمٌّ لنا " ، أي على رأس الرمح رايةٌ يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدوّ . وقد قيل إن مكة سميت " أمّ القُرى " ، لتقدُّمها أمامَ جميعِها ، وجَمْعِها ما سواها . وقيل : إنما سُميت بذلك ، لأن الأرض دُحِيَتْ منها فصارت لجميعها أمًّا . ومن ذلك قولُ حُميد بن ثَوْر الهلاليّ : إذا كانتِ الخمسُونَ أُمَّكَ ، لَم يكنْ . . . لِدَائك ، إلا أَنْ تَمُوت ، طَبِيبُ ( 4 ) لأن الخمسين جامعةٌ ما دونها من العدد ، فسماها أمًّا للذي قد بلغها .

--> ( 1 ) ديوانه : 183 ، مع اختلاف في بعض الرواية ، ورواية الطبري أجودهما . أسمر : يعني رمحًا أسمر القناة . قوام : يظل الليل قائمًا ساهرًا . خفيف الثياب : يعني اللواء . والأزر : الظهر . يقول : رمح أسمر عاري الثياب ، لا يواري اللواء ظهره كما يواري الثوب ظهر اللابس . ( 2 ) في الديوان : " يهتدي " ، والصواب " نهتدي " . وأمه التي ذكر ، هي اللواء ، ويقال للواء وما لف على الرمح منه : أم الرمح . وجماع أمور : أي تجمعها فتجتمع عليها ، وفي الحديث : " حدثني بكلمة تكون جماعًا . قال : اتق الله فيما تعلم " . والأمور جمع أمر : يعني شئونًا عظامًا . وأما قوله : لا نعاصي لها أمرًا . فهو من الأمر نقيض النهي . ( 3 ) " نزلت " يعني الراية . و " غدت " : سارت غدوة . وفي المطبوعة " ذات تزريق " وهو خطأ . والبزريق : الموكب الضخم فيه جماعات الناس . وقوله : " ننال بها فخرًا " أي نغزو في ظلالها ، فنظهر على عدونا ونظفر ونغنم ، وذلك هو الفخر . وفي الديوان : " تخال بها فخرًا " وفي المخطوطة : " تخال لها " ، كأنه من صفة الراية نفسها ، تهتز وتميل فخرًا وتيهًا لكثرة أتباعها من الغزاة والفرسان . ( 4 ) الشعر ليس لحميد بن ثور ، ولا هو في ديوانه ، بل هو لأبي محمد التيمي عبد الله بن أيوب ، مولى بني تيم ثم من بني سليم ، من أهل الكوفة ، من شعراء الدولة العباسية . أحد الخلعاء المجان الوصافين للخمر ، كان صديقا لإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ، ونديمًا لهما . ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم ، واتصل بيزيد بن مزيد ، فلم يزل منقطعًا إليه حتى مات يزيد . الأغاني 18 : 115 . وهذا البيت من قصيدة له ، روى بعض أبياتها الجاحظ في البيان 3 : 195 ، وابن قتيبة في عيون الأخبار 2 : 322 ، والراغب في محاضرات الأدباء 2 : 198 ، ومجموعة المعاني : 124 ، والشعر فيها جميعًا منسوب لأبي محمد التيمي ، وهو : إذا كانت السبعون سنّك ، لم يكُن . . . لدائِك ، إلا أن تَموتَ ، طبيبُ وإن امرأً قد س . . . إلى مَنْهلٍ ، مِن وِرْدِه لقريبُ إذا ما خلوتَ الدَّ . . . خلوتُ ، ولكن قلْ عليَّ رقيبُ إذا مَا انقَضَى القَرْن . . . وخُلِّفْت في قرنٍ فأنت غريبُ وللبيت الثاني قصة في أمالي القالي 3 : 1 ، وانظر زهر الآداب 3 : 221 ، وذكر البيت الثاني والرابع وقال : " قال دعبل : وتزعم الرواة أنه لأعرابي من بني أسد " . واختلفوا في رواية قوله : " السبعون سنك " ، ففيها " الخمسون " ، و " الستون " . ولم أجد روايته " أمك " مكان " سنك " إلا في كتاب الطبري وحده .