محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

452

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

وتعالى - في هذه الآية رفع الإشكال ، وبيَّن أنّ الكتابة هي الغايةُ القصوى في الاحتراز من الشَّكِّ والبعد من الرَّيْب ، ونصَّ على أنَّها أقسطُ وأقومُ ، وجاء بأفعلِ التفضيل ، وحذف المفضَّل عليه تعميماً لتفضيل الكتابة على سائر الوجوه المبعدة من الريب ، المقربة من اليقين ، كما في قوله تعالى : { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } [ العنكبوت : 45 ] وفي قول المصلي . وهذا في الشَّهادة المبنيَّة على العلم ، فكيف في الاجتهاد المبنيِّ على الظنِّ ، وهذا في حقوق المخلوقين المبنيَّةِ على المبالغة في الاحتراز بحيث إنَّه لا يُقبل فيها قولُ العدلِ الواحد ، ولا قولُ جماعةِ العدولِ فيما يدَّعونَهُ لنفوسهم ونحو ذلك من الخصائص ، فكيف في حقوق الله التي لم يُشترط فيها شيءٌ مِن ذلك . وهذه الآية حجة لمن يُجِيز الشهادة على الخطِّ المعروفِ ، وهي على أصله أظهرُ في المقصود هنا ، وإن كانت حُجَّة على كلا المذهبين ، لأن مَنْ لا يُجِيزُ الشهادة على الخطِّ يتأوَّلُها بأنَّ الخط مذكِّرٌ لمن نسي تذكيراً يعودُ معه العلمُ الضروريُّ ، فثبت أنَّ الشاهدَ لا يجب أن يكونَ حافظاً حتَّى يشهدَ ، ويجوزُ أن ينسى ، ثم يتذكرَ ، فالمجتهدُ أولى بذلك . الحجة الثامنة : أنَّ الجماهير قد أجازوا روايةَ لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى ، ولم يُوجِبُوا حفظَه بلفظه ، واحتجُّوا على ذلك بحجج أقواها رواية الحديث للعجم بلسان العجم ، ومنها إجماعُ الصَّحابة على جوازِه حيثُ يروون الحديثَ الواحِد في الواقعة الواحدة بألفاظ مختلفة من غير مناكرة بينهم . فإذا تقرر هذا الذي ذهب إليه الجمهورُ ، والذي قامت عليه الأدِلَّةُ أنَّه لا يجبُ حِفْظُ لفظِ حديث رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - على من سمعه منه - عليه السلام - بغير واسطة ، فكيف يجب على من بلغه حديث