محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
428
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وَهمُهُ وصدقُه متساويين في الرُّجحان ، أو كان وهمُه راجحاً على صِدقه ، وهذا مردودٌ بلا شكٍّ ، سواءً كان رافعاً للنسخ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو كان واقفاً له دونَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وإنما الكلامُ في مَنْ قوِيَ في الظن ، ورجح في العقل أنه صادق في قوله . فإن قلت : فرقٌ بينَ ما رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبين ما وقفه على نفسه ، أو على غيره ، وذلك لأن ما رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحتمل أنَّه بناه على الوهم ، وإنَّما يحتمل أنَّه كَذَبَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو صدق فيه ، لكن احتمال الكذب بعيدٌ عن الثقات ، أمَّا الوهم فكثير . قلت : ليس الأمرُ كما توهمتَ ، بل قد نصَّ العلماء على جواز الوهم على الراوي في تأديته للفظ الحديث النبوي ، والدليل على ذلك وجهان : أحدُهما : قوله - عليه السلام - في الأحاديث الصحيحة : " مَنْ كذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّداً فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار " ( 1 ) فقوله " متعمِّداً " يَدُلُّ على أنَّه يجوز على الراوي أن يُخطِىء في النقل ، لكِنَّه تجويزٌ بعيدٌ مرجوح ، فلم يُعتبر ، فلذلك قالت عائشة لمّا سَمِعَت ابنَ عمر يروي حديث : " إنَّ الميِّتَ ليعذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ علَيْهِ " ( 2 ) : ما كذب ولكنَّه وَهم ( 3 ) .
--> ( 1 ) تقدم كلام المؤلف عليه وانظر التعليق عليه هناك ص 190 . ( 2 ) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري ( 1288 ) و ( 1289 ) و ( 3978 ) ومسلم ( 928 ) ( 930 ) وانظر " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " ص 77 ، وشرح السنة 5 / 441 - 242 ، وتلخيص الحبير 2 / 141 . و " فتح الباري " 3 / 150 . ( 3 ) في ( أ ) و ( ج ) فوق كلمة " وهم " ما نصه : وَهِل خ ، أي : نسخة ، وهي كذلك عند مسلم ( 932 ) والنسائي 4 / 17 ، وأبي داود ( 3129 ) . وهما بمعنى يقال : وهِمَ وَوَهِلَ ، أي غَلِطَ . وفي " الموطأ " 1 / 224 ومسلم ( 931 ) " يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ، ولكنه نسي أو أخطأ " .