محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
400
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
الوجه الثالث : أنَّ قوله : { لا يعقِلون } ليس على ظاهره لِوجهين : أحدهُما : أنهم مكلفون ، وشرط التكليف العقلُ . الثاني : أنَّه - سبحانه - أجلُّ من أن يَذُمَّ ما لا يَعْقِلُ ، كما لا يَصِحُّ نزولُ آيةٍ في ذَمِّ الأنعامِ بعدم العقل ، إذ من لا عقلَ له ، فلا ذنب له في عدم العقل . إذا ثبت ذلك ، فالمراد ذمُّهم بالجفاوة ، وعدم التمييز للعوائد الحميدة ، وآداب أهل الحياءِ والمروءة وهذا ليس من الجرح في شيء ، فإنَّ لطفَ الأخلاق ، والكيْسَ في الأمور ، ليس مِن شرط الراوي . ومبنى الرِّواية على ظنِّ الصِّدق كما قَدّمناه ، وأولئك الأعرابُ - لا سيَّما ذلك الزمان - كانوا من أبعدِ النَّاسِ عن الكذب ، والظنُّ لصدقهم قويٌّ ، لا سيَّما في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا بُدَّ - إِن شاء الله - من الإشارة إلى أنه لا داعي للمسلم إلى الكذب على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - في غالب الأحوال ، وقد قدمنا الأدلة على أنهم عدول بدخولهم في الإسلام ما لم يَدُلَّ دليل على الجرح . الوجه الرابع : أنَّ صدور مثلِ هذه القوارع ، على جهة التأديب للجاهلين والإيقاظ للغافلين من الله تعالى ، أو من رسوله - عليه السلام - لا تدُلُّ على جرح منْ نزلت فيه ، أو بسببه ما لم يكن فيها ما يَدُلُّ على فسقه وخروجه من ولاية الله ، فقد ينزل شيءٌ من القرآن العظيم ، وفيه تقريع لبعض الأنبياء - عليهم السلام - وتأديبٌ لبعض الرسل الكرام ، وقد قدَّمنا كلاماً في العدالة ، ودللنا عليه ، وقد قال الله تعالى لخيار المهاجرين والأنصار : { لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ الأنفال : 68 ] وأنزل اللهُ أولَ سورة الممتحنة في شأن حَاطِبِ بنِ أبي