محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

383

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

فالظاهر عدمُ معرفةِ حالِ العُرَفَاء في العدالةِ ، فهذا من الأثر . ومِنَ النَّظَرِ أن صِدقَهم مظنونٌ ، وفي مخالفته مضرَّةٌ مظنونةٌ ، والعملُ بالظَّنِّ من غير خوفٍ مضرَّةٍ حسنٌ عقلاً . ومع خوف المضرَّة المظنونة واجبٌ عقلاً ، وإنما خصصناهم بذلك ، لما علمنا من صدقهم وأمانتهم في غالب الأحوال ، والنادِرُ غيرُ معتبر ، إذ قد يجوزُ أن يَكْذِبَ الثِّقَةُ ، ولكن ذلك تجويزٌ مرجوحٌ نادر الوقوع فلم يعتبر ، والذي يدلُّ على صِحَّة ما ذكرنا : أن أخسَّ طبقات أهل الإسلامِ من يتجاسرُ على الإقدامِ على الفواحش من الزنى وغيره من الكبائر لا سيّما فاحشة الزنى ، وقد علمنا أن جماعة مِن أهلِ الإسلام في زمان رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وقعوا في ذلك من رجالٍ ونساءٍ ، فَهُمْ فيما يظهرُ لنا أقلُّ الصحابة دِيانةً ، وأخفُّهم أمانةً ، ولكنهم مع ذلك فعلوا ما لا يكادُ يفعلُه أورعُ المتأخرين ، ومن يَحِقُّ له منصِبُ الأمانةِ في زُمرة الأولياء والمتقين ، ومَنْ بَذَلَ الروح في مرضاة اللهِ ، أو المسارعة بغير إكراهٍ إلى حُكْمِ اللهِ ، مثلَ المرأةِ التي زنت ، فجاءت إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - تُقِرُّ بذنبِها ، وتسألُه أن يُقِيمَ عليها الحَدَّ ، فجعل - عليه السلام - يستثبتُ في ذلك ، فقالت : يا رسولَ الله إنِّي حُبلى به ، فأمرها أن تُمهل حتَّى تَضَعَ ، فلمَّا وَضَعَتْ ، جاءت بالمولود فقالت : يا رسولَ اللهِ هو هذا قد ولدتُه . فقال : " أرضِعِيه حتى يَتِمَّ رضاعُه " . فأرضعتْهُ حتَّى أتمت مُدَّةَ الرَضاعِ ، ثم جاءت به في يده كِسْرَةٌ مِن خُبْزٍ ، فقالت : يا رسولَ اللهِ ها

--> = وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يُطَيِّبَ ذلك ، فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نُعطيَه إياه من أول ما يُفيء الله علينا فليفعل ، فقال الناس : قد طيبنا ذلك يا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا لا ندري من أذِنَ منكم في ذلك ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ، فرجع الناس ، فكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبروه أنهم قد طيّبوا وأذنوا .