محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
353
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
واضحة إلا انحصارَ الطريق إلى تجهيل جميع أهل العلم في وجهين ، فيجب بيانها ، والدليل على أنه لا طريق للسَّيِّد إلى تجهيل جميعِ العلماء بأحوال أولئك الحفاظ المشاهير : أن معرفةَ العلماء بأحوالهم وجهلهم لها مِن مكنونات الضمائر ، وخفياتِ السَّرائر ، وذلك مما لا طريقَ إليه إلا بالخبر ، أو القياس ، ولا طريقَ سِوى هذين إلى ذلك إلا علم الغيب الذي استأثر اللهُ تعالى به ، وكُلُّ واحدٍ منها لا يَصِحُّ . أمّا القياسُ ، فلا يصح هنا ، لأنك إما أن تقيسَ على نفسك ، أو على غيرك ، وكلاهما لا يجوز ، لأنَّه قياس على مجرد الوجود ، وهو ممنوع . وأما الخبر ، فلا يصح ، لأنَّه لم يُوجد خبرٌ صادِقٌ عن الله ، ولا عَنْ رسولِ الله يقضي بجهالَةِ العلماء لأحوال الرُّواة ، فضلاً عن أحوالِ معدِّليهم ، وكذلكَ أهلُ العلم لم يُخبروا عن أنفسهم بالجهل بذلك ، فثبت أنه لا طريق للسَّيِّد - أيَّدَه الله - إلى القطعِ على أن جميعَ العلماء لا يعرفُونَ أحوال أولئك الَّذِينَ ذكر من معدِّلي الرّواة . وبقي القسم الثاني ، وهو أن يدَّعي السَّيِّد - أيده الله - أنه يجهل أحوالَهم ، فهذه دعوى صحيحة مقبولة بإجماع الأمة ، لأنَّ إقرارَ المسلم على نفسه بما يدخل عليه النقضَ ، ولا يكون له فيه حظ ، ولا على غيره منه مضرَّةٌ إقرارٌ صحيحٌ مقبول ، ولكن ليس يَحْصُلُ منه منعُ جميع طلبة العلم مِن تعرُّفِ أحوال معدِّلي الرُّواة ، فربّما وجدوا إلى ذلك سبيلاً ، فقد قيل : من طلب شيئاً وجدَّ ، وجَدَ ، ومن دَق باباً وَلَجَّ ، وَلَجَ . ثم إنا لو سلمنا للسَّيِّد - أيَّدَهُ اللهُ - جهلَ جميعِ أهل العلم بأولئك الذين ذكرهم ، فإن ذلك لا يَسُدُّ بابَ الرِّوايةِ ، فإنَّ اللهَ لو لم يخلق أولئك