محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
347
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
بالضرورة ، فاحتاج الناظرُ فيه إلى أن يكون من أهل الاجتهاد . فإن قلت : إن دلالتَها على التقليد جليةٌ لا تحتاج إلى اجتهاد . قلتُ : ليس كذلك ، فإن في معناها غموضاً واختلافاً . والذي يدلُّ على ذلك : أنَّ السؤال من الأفعال التي تتعدَّى إلى مفعولين ، تارةً بواسطة حرف جر مثل : سألت العالم عن الدَّليل ، وتارة بغير واسطة مثل : سألت الأمير مالاً ، وسألت العالمَ دليلاً . إذا عرفت هذا ، فاعلم أنه لا بُدَّ من مسؤول ومسؤول عنه ، فالمسؤول في الآية مذكورٌ وهم أهلُ الذكر ، والمسؤول عنه محذوف ، فالقولُ بأن المسؤولَ عنه هو أقوالُ المجتهدين مِن هذه الأمة دعوى مجردة عن الأدلة مما لا يدل عليه دليل . وهذا المحذوف يحتمل أن يكون هو الأدلة ، ويحتمل أن يكونَ هو المذاهبَ من غير أدلة . وقد قال بعضُ العلماءِ وهو السُّؤال عمَّا أنزل الله لقوله تعالى : { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } [ الأعراف : 3 ] فلما أُمرنا بسُؤالِ أهلِ الذِّكر ، وكان الظاهرُ أنه أُمرنا بسؤالهم عما أُمرنا باتباعه مما أنزله علينا من الشرائع ، وهذه الأقوال كُلُّها ضعيفة فيما يَظْهَرُ على اعتبارِ قواعد العربية ، والمختار : أن المرادَ السؤالُ عن الرُّسُلِ : هل كانوا بشراً أم لا ؟ لأن ذلك هو المذكورُ في أوَّل الآية ، والعرفُ العربي يقضي بأنَّ ذلك هو المرادُ ، والقرائن تسُوقُ الفهم إليه . فإنه تعالى لما قال : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي ( 1 ) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر } [ النحل : 43 ] كان السابقَ إلى الأفهام : فاسألوهم عن كوننا ما أرسلنا إلا رجالاً ، كما لو قال القائل : واجهتُ اليومَ الخليفةَ
--> ( 1 ) هي قراءة حفص بالنون وكسر الحاء ، وقرأ الباقون : ( يُوحى ) بضم الياء على ما لم يسم فاعله . انظر " حجة القراءات " ص 390 .