محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
252
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ } [ البقرة : 185 ] وقال تعالى : { لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] . وقال " السَّيِّدُ " في تفسيره لها : وليس معنى الوُسع : بذل المجهودِ ، وأقصى الطاقةِ ، والمعنى : أنَّ الذي كلَّفناهم سهْلٌ مُتَيَسِّرٌ ، فلا عُذرَ لهم في تركه ، وأن لا يكتسبوا به أبلغَ ما يكونُ من الخيرات ، انتهى بحروفه . وهو في الردِّ عليه كافٍ شافٍ ، ولكنْ عند ذوي الإنصافِ . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بُعثْتُ بالحنيفية السَّمحة " ( 1 ) ، " والسَّيِّد " - أيَّدَهُ الله - مُقِرٌّ بأنَّ الله تعالى يريدُ منا اليُسرَ ولا يريد منا العُسْرَ ، وَمُقِرٌّ أنه مريدٌ منا الاجتهاد . فقولُهُ : إنه مُتَعسِّرٌ ، يُفيد أن الله يريدُ مِنَّا التَّعَسُّرَ ، بل لم يقنع - أيَّدهُ الله - بقوله : إنه متعسِّر ؛ حتى قال : إنَّهُ مُتعسِّر أو مُتَعَذِّر . فاستلزمَ أن اللهَ - تعالى - يريدُ المتعسِّرَ والمتعذِّرَ . فإن أرَادَ - أيَّدَهُ اللهُ - في ذلك مشقةً ، فمجردُ المشقةِ لا تُسَمَّى عُسراً في العُرف العرَبي ، فإنَّ المشقةَ مُلازِمَةٌ لأكثرِ الأعمال الدنيويةِ والأُخرويةِ ، وقد يَشُقُّ على الإنسان قيامُهُ من مجلسه إلى بيته ، وخروجُهُ من بيتِهِ لقضاءِ حاجتِهِ . والعُسْرُ في عُرْف اللِّسان العربي يُستعملُ في الأمورِ العِظام ، لا في كل أمر فيه مشقةٌ ؛ فإذا قيل : فلانٌ في عُسْر ؛ أفادَ أنَّهُ في شِدَّةٍ عظيمةٍ مِن مرَضٍ أو خوفٍ أو فَقرٍ شديدٍ ، أو غَيْر ذلك . وقد يُطلَقُ على ما هو دونَ ذلك - مع القرينة - فأما إذا تجرُّد الكلامُ عن القرينة وقيل : إن فلاناً في عُسْرٍ ، وأريدَ العُسْرُ المعروفُ السابق إلى الأفْهَام ، لم يَسْبِق إلى الفهم أن معنى قولنا : فلانٌ في عسْر ؛ أنَّهُ في قراءةٍ دارَّةٍ ، ورغبةٍ في العلمِ عظيمةٍ ، ومطالعةٍ للكتُب ، وتعليقٍ للفوائدِ ، ولا أحدَ يسمِّي هذا عُسْراً .
--> ( 1 ) تقدم تخريجه في الصفحة ( 175 ) .