محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
234
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
الموقظة - على سبيل الحِدَّة في المَوْجدَه والموعظة - وهذا قد يدخلُ منه شيءٌ في الجواب ، لأنه لا أحد بأحقر من أن يقول لغيره : اتق الله ، ولا أحد بأكبر من أن يقال له : اتَّقِ الله . واعلم أن للزجر والتخويف بالألفاظ الغليظة شروطاً أربعة : شرطين في الإباحة ، وهما : أن لا يكون المزجور مُحِقَّاً في قوله أو فعله ، وأن لا يكون الزاجرُ كاذباً في قولهِ ، فلا يقول لِمن ارتكب مكروهاً : يا عاصي ، ولا لِمَن ارتكب ذنباً لا يعلم كِبْرَهُ ( 1 ) : لا فاسق ، ولا لصاحب الفسق - مِنَ المسلمين - : يا كافر . ونحو ذلك . وشرطين في النَّدب ، وهما : أن يظنَّ المتكلمُ أنَّ الشدَّة أقربُ إلى قبولِ الخَصْمِ للحقِّ ، أو إلى وضوحِ الدليلِ عليه ، وأن يفعلَ ذلك بنيَّةٍ صحيحةٍ ، ولا يفْعَلُهُ لمجردِ داعيةِ الطبيعة . فإن قلتَ : فكيف تكونُ الشِّدةُ أَقربَ إلى القبول ؟ قلت : قد يكونُ كذلك - في بعض المواضع - مثل أن يقع مع الصالح الخاشع المتواضع ، وذلك قليل . إذا عرفَت هذا ، فاعلم أنه لَمَّا كان الكلام في المراسلات لا يكاد يخلو مِنْ هذه المسالك الأربعة ، أحببتُ التعريف بها ، خوفاً مِمَنْ لا يعرف هذا الشأن ، وممَّن لم يتدرَّبْ في هذا الميدان يحْسِبُ أنِّي حين أذكر الطريقة الخطابية ، والأمثال الوعظية ، قد اكتفيتُ بها عن إيرادِ الأدلةِ
--> ( 1 ) كبر الشيء بكسر الكاف : معظمه ، ومنه قول قيس بن الخطيم : تنامُ عَنْ كِبْرِ شأنها فإذا . . . قامت رويداً تكاد تنغرِفُ وفي كتاب الله { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } قال ثعلب : يعني معظم الإفك .