محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
213
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
ومعنى الشكِّ هنا : هو الوسواسُ الذي لا يدخل دفعه تحت القدرة ، وليس معناه الشك المستويَ الطرفين قطعاً . وقد جاء مثل ذلك ؛ في موسى الكليم - عليه السلام - ، في قوله تعالى : { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ( 67 ) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى } [ طه : 67 - 68 ] . فيا من جَرحُ وَسْوَاسهِ لا يُؤسى ، أما يُعزِّيك : { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } ؟ ! ويا مَن يُداوي بالكلام قلبَه الكلِيم ، لا تعدِلْ عن المرهم الذي صنعه الحكيم ، لخليله إبراهيم ، وهو النظرُ في المعجزات ، المعلومُ حُدُوثها ، وأنَّه لا بُدَّ لها من مُحْدث مختار ؛ بالعلوم الضروريات ، عند النظر بالفطرة الأولى ( 1 ) ، والإخبات ، والخلوصِ من شوائب العادات . فإن تعَذَّرَ ذلك -
--> = قال : أرجى آية في القرآن هذه الآية : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى } قال ابن عباس : هذا لما يعرض في الصدور ، ويوسوس به الشيطان ، فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال : بلى ، ومن طريق معمر عن قتادة عن ابن عباس : نحوه ، ومن طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس نحوه ، وهذه طرق يشد بعضها بعضاً ، وإلى ذلك جنح عطاء ، فروى ابنُ أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج قال : سألت عطاء عن هذه الآية ، قال : دخل قلب إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس ، فقال ذلك . وقال ابن عطية : ومحمل قول ابن عباس : إنها أرجى آية ، لما فيها من الإدلال على الله ، وسؤال الإحياء في الدنيا ، أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال ولا يحتاج إلى تنقير وبحث ، قال : ومحمل قول عطاء : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ، أي : من طلب المعاينة ، قال : وأما الحديث ، فمبني على نفي الشك ، والمراد بالشك فيه : الخواطر التي لا تثبت ، وأما الشك المصطلح عليه - وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحد عن الآخر - فهو منفي عن الخليل قطعاً ؛ لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه ، فكيف بمن آتاه اللهُ النبوة ، قال : وأيضاً فإن السؤال لما وقع بكيف ، دل على حالِ شيءٍ موجود مقرر عند السائل والمسؤول ، كما تقول : كيف علم فلان ؟ ، فكيف - في الآية - سؤالٌ عن هيئة الإحياء ، لا عن نفس الإحياء ، فإنه ثابت مقرر . وقال ابن الجوزي : إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه وردهم عليه وتعجبهم من أمر البعث ، فقال : أنا أحق أن أسال ما سأل إبراهيم ما جرى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى ، ولمعرفتي بتفضيل الله لي ، ولكن لا أسأل في ذلك . ( 1 ) في ( أ ) : " الأولة " .