محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
199
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وذلك أَن لفظ كتاب الله تعالى : { لا جُنَاحَ عليكم } [ البقرة : 236 ] كما تقدم بيانه . والجُناح : هو الإثم في اللغة . وكذا قوله : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [ البقرة : 286 ] في كون شرط التعمد ، حيث ورد . وإنما وَرد قيداً في الوعيد ، وهذه أصرحُ الآيات ، وبقية الآيات كالشواهد لها ، ثم هو القَدَرُ المتحقق . وتخصيصُ - هؤلاء الخوارج - بعدم العفو في الآخرة ، مثلُ تخصيص المخطىء من اليهود والنصارى . والوجه فيه أن الله تعالى أقام عليهم الحُجَّة ، وعَلِمَ منهم التعمد - ولو في بعض الأوقات - : إما في الابتداء ، ثم عاقبهم ، وسلبهم الطاقة ، كقوله : { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام : 110 ] ، وإما في أثناء المناظرة والنظر ، يدُلُّ على ذلك قوله تعالى : { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [ آل عمران : 19 ] . وقوله : { بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } [ القيامة : 14 - 15 ] وقوله - في بعضهم ، بعد ذكر الآيات - : { جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } [ النمل : 14 ] . وقوله - في آخرين - : { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام : 33 ] . قُرِىءَ : " يكذبونك " بالتشديد والتخفيف معاً ( 1 ) .
--> ( 1 ) قرأ نافع والكسائي : { يكْذبُونك } بالتخفيف وتسكين الكاف ، والمعنى : لا يُلْفُونَكَ كاذباً ، أو لا يُكَذِّبون الشيء الذي جئت به ، إنما يجحدون آيات الله ويتعرضون لعقوباته ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة وابن عامر : { يُكذِّبُونَكَ } بالتشديد وفتح الكاف ، قال ابن عباس : لا يسمونك كذاباً ، ولكنهم ينكرون آيات الله بألسنتهم ، وقلوبهم موقنة أنها من عند الله ، انظر " حجة القراءات " 246 - 249 و " زاد المسير " 3 / 28 - 30 .