محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
75
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
المُطْلق في الحقيقة اللُّغَوِيَّةِ ، والحقيقةِ العُرْفِيَّةِ ، فوجبَ المصيرُ إلى ذَلِكَ ، وارتفع الإِشكالُ . وقال النَّواوي : إنَّ أبا داوود لم يَسْتَوْعِبِ الصَّحيح مِنْ أحاديثِ الأحكامِ ولا مُعْظَمَهُ ، وذلك ظاهر ، بل معرفتُه ضَرُورِيَّةٌ لِمن لَهُ أدنى اطِّلاعٍ . انتهى . فانظر إلى النَّواوي كيف ادَّعى العلم الضَّرُورِيً لِمنْ لَهُ أدنى اطِّلاعٍ ، على أنَّ السُّنَنَ غيرُ جامِعَةٍ لأحاديثِ الأحكام الصَّحيحَةِ ولا لمُعْظَمِها أيضاً ، وقد ذكرَ أهلُ الحديث أنَّهم إذا قالوا : هذا حديثٌ ضعيفٌ ، فمرادُهُم : إسنادُه ضعيفٌ ، لجوازِ أن يكونَ هذا الحديثُ في نَفْسِهِ صحيحاً بغيرِ ذلِكَ الإسنادِ ، لكِنْ لَمْ يَعْرِفُوا الإسنادَ الصَّحيحَ ، وهذا أَوْضَحُ دليل على عَدَمِ دَعْواهُم لحَصْر الصَّحيحِ ، ثمَّ إنَّ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَوْسَعُ مِنْ أنْ يَحْصُرَهُ عالِمٌ بحيث يقطع على أنَّه لم يبْقَ حديثٌ إلاَّ وقد عَلِمَهُ ، وقد قدَّمنا عَنْ أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام أنَّه كان يَسْتَحْلِفُ بَعْضَ الرُّواةِ ، فإذا حلَفَ لَهُ صدَّقه ( 1 ) ، فهذا دليلٌ عَلَى أنَّه - عليه السلام - لَمْ يَعْتقِدْ أنَّه قدْ أحاطَ بالحديث ، فهذا ، وهو عند طوائفِ الشِّيعَةِ وكثيرٍ مِنَ المعتزلَةِ ، أوْ أكثرهم أَعْلَمُ الأمَّةِ بدليلِ أنَّه أقضاهم بالنَّصِّ ، فكيفَ بغَيْرِه ؟ ! . وقد رُوي عن الشَّافعِي أنَّه قال : عِلْمانِ لا يَجْمَعُهُما أَحَدٌ ، ولا يُحِيطُ بِهِما أَحَدٌ ( 2 ) : عِلْمُ الحديثِ ، وعِلْمُ اللُّغَة . وفي هذا القدرِ كفايَةٌ في التَّعريف ببراءَةِ أهْلِ الحديث مِمَّا رَماهُمْ بهِ
--> ( 1 ) تقدم تخريجه 1 / 284 . ( 2 ) جملة " ولا يحيط بهما أحد " ساقطة من ( ب ) .