محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
425
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وعن ابن تيمية أن الرازي ( 1 ) ذكر لبعض مشايخ الصوفية أنه أملى في التوحيد كذا بُرهاناً ، فقال له الشيخ : ليس ذلك بالتوحيد . قال الرازي : فأفدني يا سيدي ، فقال له : التوحيدُ وارداتٌ تَرِدُ على النُّفوس تَعْجِزُ النفوسُ عن ردِّها ، قال : فجعل الرازي يتحفَّظ هذه الكلمات ويُردِّدُها حتَّى خرج من عند الشيخ . وقد ( 2 ) ذكر هذا بعضهم في شرح قول أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام في كلامه لكُمَيْل بن زياد ( 3 ) ، حيث قال عليه السلام في وصف
--> ( 1 ) في ( ش ) : " الراوي " ، وهو تحريف . ( 2 ) " قد " ساقطة من ( ش ) . ( 3 ) هو كُمَيْل بن زياد بن نهيك بن الهيثم النخعي ، تابعي ، ثقة ، من أصحاب علي ، قال ابن سعد : شهد مع علي صفين ، وكان شريفاً مطاعاً في قومه ، قَتَلَه مبيرُ ثقيفٍ صبراً سنة 82 ه - . مترجم في " تهذيب التهذيب " 8 / 448 وقول علي هذا قطعة من وصيةٍ مطولة أوردَها صاحب " العقد الفريد " 2 / 69 - 70 ، رواه عن أيوب بن سليمان ، عن عامر بن معاوية ، عن أحمد بن عمران الأخنس ، عن الوليد بن صالح الهاشمي ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي مخنف ، عن كميل النخعي قال : أخذ بيدي عليُّ بن أبي طالب كرم الله وجهه ، فخرج بي إلى ناحية الجبَّانة ، فلما أصحر ، تنفس الصعداء ، ثم قال : يا كُميلُ ، إن هذه القلوب أوعية ، فخيرها أوعاها ، فاحفَظ عني ما أقول لك : الناسُ ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهَمَج رَعاع ، أتباعُ كُلِّ ناعق مع كل ريح يميلونَ ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ . يا كُميلُ ، العلمُ خيرٌ من المال ، العلمُ يحرسُك وأنت تحرسُ المالَ ، والمالُ تنقصُه النفقة ، والعلمُ يَزْكو على الإنفاق ، ومنفعة المال تزولُ بزواله . يا كُميل ، محبة العلم دينٌ يُدان به ، به يكسبُ الإنسانُ الطاعة في حياته ، وجميلُ الأُحدوثة بعد وفاته ، والعلمُ حاكمٌ ، والمالُ محكومٌ عليه . يا كميل ، ماتَ خُزانُ المالِ وهم أحياءٌ ، والعلماءُ باقون ما بقيَ الدهرُ ، أعيانهم مفقودةٌ ، وأمثالهم في القلوب موجودةٌ ، ها إنَّ هاهنا لعلماً جَمّاً - وأشار بيده إلى صدره - لو وجدتُ له حَمَلةً ، بلى أجد لقناً غير مأمون عليه ، يستعمل آلة الدين للدنيا ، ويستظهِرُ بحجج الله على أوليائه ، وبنعمه على عباده ، أو منقاداً لحملة الحق ولا بصيرة له في أحنائه ، ينقدح الشكُّ في قلبه لأوَّلِ عارض من شُبهة ، لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء ، أو منهوماً باللذة ، سَلِس القياد للشهوة ، أو مُغرماً بالجمع والادِّخار ليسا من رعاة الدين في شيء أقرب شبهاً بهما الأنعام =