محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
391
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وكأن بين الحق والباطل مساواةٌ حتى تحتاج إلى الفارق ، الفرق أنه على الباطل وأنا على الحق ، وأنا متيقن لذلك ، غير شاك فيه ، فكيف أطلب الفرق حيت يكون الفرق معلوماً قطعاً من غير طلب ؟ فهذه حالة المقلِّدين الموقنين ، وهذا إشكالٌ لا يقع لليهودي المبطل ، لقطعه بمذهبه مع نفسه ، فكيف يقع للمقلد المسلم الذي وافق اعتقاده ما هو عند الله تعالى ؟ فظهر بهذا على القطع أنَّ اعتقاداتهم جازمة ، وأن الشرع لم يكلفهم إلا ذلك . انتهى كلامه رحمه الله . وأقول : إن الله تعالى قد فطر الخلق على معرفته ، كما قال تعالى : { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } [ الروم : 30 ] ، وأوضح ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وزاده بياناً بقوله : " كل مولود يولد على الفطرة " ( 1 ) ، واتفق الكل على صحته ، وهذه الفطرة تقتضي الإيمان بنفسها ، وترجحه على ما ينافيه ، سواءٌ كانت علماً ضرورياً ، كما قاله أهل المعارف من المعتزلة ، أو نظرياً ( 2 ) جلياً كما يقوله الجمهور ، أو يقيناً ظنياً يقتضي من سكون النفس ما يقتضيه النظر ، فمن قبلها ، ولم يعارضها بما هو دونها من شُبَهِ ( 3 ) المبطلين ، أثابه الله الزيادة في إيمانه ، ومن عصى بعنادٍ ، أو تقليدٍ لأبويه أو شيوخه ، استحق العقوبة ، كما قال تعالى : { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة } [ الأنعام : 110 ] ، وكما قال تعالى : { سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب } [ البقرة : 211 ] ، وقد أوجبت المعتزلة الخاطر على الله تعالى ، وهو زيادة على الفطرة ، فكيف لا يفترق
--> ( 1 ) تقدم تخريجه في ص 48 . ( 2 ) في ( ش ) : نظراً . ( 3 ) تحرفت في ( ب ) و ( ش ) إلى " سنة " .