محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

157

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

قالوا : وأمَّا توقُّفُ مَنْ تَوَقَّفَ منَ الصَّحابة في بعض الأحاديث ، فلقرائنَ أوجبت الرِّيبةَ بالتَّفَرُّد ، وذلك هُوَ المُسَمَّى بالإعلال في علوم الحديث ، كحديث عمَّار في التيمُّم ، فإنَّه ذكر فيه أنَّ عمر كان معه في الواقعة ، فلم يذكر ذلكَ عُمرُ معه ، مع أنَّها واقعة لا يكاد يُنسى مثلُها ، فتعارضَ عليه نسيانُه وغفلَتُه عمَّا لا يكادُ ينسى ، وصِدقُ عَمَّارٍ وأمانتُه ، فوقف في حقِّ نفسه ، وأذن لعمَّار في روايةِ ذلك لِغيره ليعلموا به . وقد روى النَّسائي ( 1 ) حديثاً في التَّخيير بين رأي عمرو ورأي الجماعة في ذلك ، يعني في التيمُّم للجُنُبِ عِنْدَ عدمِ الماء ، أو تعذُّرِ استعماله . الوجه الثالث : أنَّ المحدثين حين رَأَوُا اختلاف الناس في مَنْ يُقْبَلُ ولا يُقبل مع اختلافهم فيما يُجْرَحُ به ، وما لا يُجْرَحُ به ، أوجبوا بيانَ الإِسناد والتَّصريحَ بأسماءِ الرُّواة ، وترك التَّدليس والإِرسال في كُلِّ ما ادَّعَوْا صِحَّتهُ ، ليتمكَّنَ كُلُّ أحدٍ مِن الأمَّة مِنَ النَّظر في الحديث ، وفي صِحَّته ، حتَّى يكونَ على بصيرةٍ في الموافقة على التَّصحيح أو المخالفة ، أو الموافقة على التَّضعيف أو المخالفة فيه ، فزال المحذورُ مِنْ روايتهم عمَّن حارب أميرَ المؤمنين عليه السَّلام ، لأنّهم قد بيَّنوا ما روَوْهُ عنهم ، وصرَّحوا بأسمائهم ، ولم يقولوا : صحَّ لنا حديث كذا عمَّن نَثِقُ به ، بل نصُّوا على

--> ( 1 ) في " سننه " 1 / 170 - 171 من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق قال : كنت جالساً مع عبد الله ، وأبي موسى ، فقال أبو موسى : أولم تسمع قول عمار لعمر بعثني . . . وفيه : فقال عبد الله : أولم تر عمرَ لم يقنع بقول عمار . قال السندي تعليقاً على قوله : " أولم تر عمر . . " : قيل : لأنَّه أخبر عن شيء حضره معه ولم يذكره ، فجوز عليه الوهم كما جوز عليه النسيان . قلت : فتبع ابن مسعود عمر في ذلك ، فلعلَّ مَنْ ترك الأخذَ بظاهر حديث عمار تَبعَ ابن مسعود ، وبناؤهم على تجويز الوهم عليه لا على التكذيب ، والله تعالى أعلم .