محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
48
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
قلتُ : هذا مِنْ خيالاتِ قليلي العُقول ، فإنَّ تعمدَ كذبِ الكاذبين إنما يظْهَرُ في أعصارهم لما يَصْحَبُهُ مِنْ معرفة مَنْ جاورهم وخالطهم وسامرَهم مِن قرائنِ أحوالهم ، ومخايل كذبهم وتلوّنهم وحكاياتِهم ، ومناقضاتِهم ، ونسيانهم لما قالوه ، كما قالت العرب : وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِىءٍ مِنْ خلِيْقَةٍ . . . وإن خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ ( 1 ) بل كما قال الله تعالى : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } [ محمد : 30 ] وكما شاهدنا هذا في معرفتنا لِلكاذبين المعاصرين لنا ، فأما لو استتر حالُه حتى مات ، ومات المعاصرون له ، فإنها تنسَدُّ أبوابُ المعرفة لحاله على المستأخرين عن مُعاصريه إِلاَّ بِعلمِ الغيب ، فمن أين جاء ذلك للإسكافي لو صحَّ عنه ، وحاشاه منه بَعْدَ تفاني القُرون ، وأبو هريرة محتجٌّ بحديثه بينَ الصحابة والتابعين ، وفُقهاءِ الإسلام ، وأهلِ العلم التام بتواريخِ الرجال ، وأخبارِ الناس ، وَمَنْ قَبِلَ مثلَ هذا في أبي هريرة ممن لا يُعْرَفُ مع ثبوتِ إيمان أبي هُريرة ، وعدالتِه على عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يُؤْمَنُ عليه ، ولا يُسْتَبْعَد منه أن يُصدق من ذوي المثالب في علي عليه السلام أو في مَنْ هو دُونَه بيسيرٍ من أهل الفضلِ الشهيرِ ، والمحلِّ الكبير . وقد ذكرتُ فيما تقدم أن أهل ذلك العصرِ كانوا خيرَ أهلِ الأعصار ، وأن أشرارهم أصدقُ الأشرار حتى إنَّه ثبت عن اليهودي ابنِ صياد اللَّعين المُدَّعي للنبوة في عصره عليه السلامُ لما سألَه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خصمُه ما يأتيه قال : يأتيني صادِقٌ وكاذب ( 2 ) ، فاعترف بكذب بعضِ ما يأتيه بُعداً من
--> ( 1 ) هو البيت الثامن والخمسون لزهير بن أبي سلمى من جاهليته السائرة " شرح القصائد العشر " ص 198 للتبريزي . ( 2 ) انظر خبر ابن صياد مطولاً من حديث ابن عمر في البخاري ( 1354 ) و ( 3055 ) و ( 6173 ) و ( 6618 ) ومسلم ( 2924 ) و ( 2930 ) وأبي داود ( 4329 ) والترمذي ( 2249 ) ، وانظر " جامع الأصول " 10 / 364 - 369 الطبعة الشامية .