محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

45

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

اعترف أبو سفيان أنَّه لم يتمكَّن من الكَذِبِ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هِرَقل ( 1 ) ، وعَرَفَ بعقله مع كفره وعداوته أن الكذب لا يمضي له . ولو قدرنا صدورَ مثل هذا من قليل عقل ، لوقع منهم من التنكيلِ به ، والذَّمِّ له ، وضربِ الأمثال بكذبه ، والمناداة عليه في المحافِلِ والمجامعِ ما يُوجِبُ تَواتُرَ ذلك عنهم فيه ، ولَمَا كفي أمير المؤمنين أن يقول ذلك مرةً ولا ثنتين ولا ثلاثاً حتى يتواتَر . وفي أخبار عمر رضي الله عنه أنَّه قال : كيف وجدتموني ؟ قالوا : وجدناك مستقيماً ، ولو زُغْتَ ، لقوَّمناكَ ، فقال : الحمد لله الذي جعلني في قومٍ إذا زُغْت ، قوَّموني ، وَدَعْ عنك الكثير الطَّيِّبَ مِن أخبارهم في ذلك ، فقد قال الله تعالى في مُحْكَمِ كتابه الكريمِ في خِطابهم ووصفهم : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [ آل عمران : 110 ] فكيف يُمكِنُ ظهورُ كذاب على الله ورسوله مستور بينَهم ، ثم لا يَهْتِكونَ سَتْرَه ،

--> ( 1 ) وذلك حين أرسل إليه هرقل في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بإيلياء ، فدعاهم في مجلسه ، وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا بترجمانه ، ققال : أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ، فقال أبو سفيان : أنا أقربهم نسباً ، فقال : أدنوه مني ، وقرَّبوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره ، ثم قال لترجمانه : قل لهم : إني سائل هذا الرجل ، فإن كذبني ، فكذبوه ، قال أبو سفيان : فوالله لولا الحياء من أن يأثِرُوا علي كذباً ، لكذبتُ عنه . . . وانظر تتمة الخبر في " صحيح البخاري " ( 6 ) في بدء الوحي . وقوله : أن يأثروا ، أي : ينقلوا علي الكذب . . . . قال الحافظ ابن حجر : وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف ، وفي قوله : " يأثروا " دون قوله " يكذبوا " دليل على أنَّه كان واثقاً منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لكنه ترك ذلك استحياء ، وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا ، فيصير عند سامعي ذلك كذاباً ، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك ، ولفظه : فوالله لو قد كذبت ، ما ردوا علي ، ولكني كنت امرءاً سيداً أتكرم عن الكذب ، وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عني ، ثم يتحدثوا به ، فلم أكذبه .